يبدو أن شهر العسل الطويل بين العلمانية والنظام الحاكم في تركيا ممثلا في حكومة رجب طيب أردوغان ورئيس الدولة عبد الله غول، على وشك أن ينتهي نهاية غير سعيدة. جاء حكم المحكمة الدستورية التركية التي أصدرت قرارها المثير بإلغاء التعديلات الدستورية التي تسمح للطالبات بارتداء (الحجاب) في الجامعات، بمثابة صفعة قوية لحكومة أردوغان وحزبه (العدالة والتنمية) صاحب الأغلبية البرلمانية الساحقة.
اذ ان السماح لطالبات الجامعة بارتداء الحجاب صار قضية محورية -عند من يتذرعون بالدستور- تستهدف حظر حزب العدالة والتنمية ومنع أردوغان من العمل بالسياسة لخمسة أعوام بتهمة كونه مصدر ا لأنشطة تتنافى مع مبادئ العلمانية التي أسسها مصطفى كمال أتاتورك. وكان الحزب المنبثق - فعلا- من التيار الإسلامي مرر في فبراير الماضي تعديلا دستوريا يشرع ارتداء الحجاب في الجامعات، الأمر الذي انتقدته بشدة الأوساط العلمانية.
العلمانيون يرون أن مساعي الحكومة للسماح بارتداء الحجاب في الجامعات، دليل على أن حزب العدالة والتنمية سيعمل في نهاية الأمر على تطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد. وهناك من الأتراك من يتهم الحزب الذي يحكم منذ ست سنوات، بالسعي إلى اسلمة تركيا التي يدين معظم سكانها بالإسلام ولكنها تعتمد نظاما علمانيا صارما يحميه الجيش والدستور العتيق الذي لم يعد يرضي كل فئات الشعب.. (الدليل هو صعود حزب العدالة إلى قمة السلطة بأغلبية ساحقة عمرها ست سنوات).
الجيش التركي، الذي يعتبر نفسه الحارس القوي للعلمانية، كان موقفه بالطبع مؤيدا للمحكمة. إذ قال قائده يشار بويوكانيت ان على الجميع احترام قرار المحكمة، ودعا حزب العدالة إلى احترام قرار المحكمة الدستورية. وقال بيوكانيت الذي يمثل رأس المؤسسة العسكرية التركية الواسعة النفوذ والتي تعتبر نفسها ملزمة بحماية أسس النظام السياسي الذي أقامه كمال أتاتورك قبل ثمانين عاما، إذا كانت تركيا فعلا دولة (ديمقراطية علمانية فعلى الجميع احترام قرار المحكمة الواضح) حول الحجاب.
قضية السماح بالحجاب تعتبر الآن احد أوجه الصراع بين حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا والأوساط المعارضة له والتي تضم أطرافا عديدة ، تضم الى جانب مؤسسة الجيش الجهاز القضائي والأحزاب المعارضة وعلى رأسها حزب الشعب الجمهوري الذي يقول انه وريث مبادئ أتاتورك. فزعيم الحزب دنيز بايكال الذي كان وراء اللجوء إلى القضاء ضد الحجاب، يرفض فكرة تعديل الدستور، ويزعم أن التعديل سيكون أسوأ خطوة يمكن ان تتخذ في الوضع الحالي المتوتر.
موقف أردوغان
ووجهة نظر رئيس الوزراء التركي بشأن قرار المحكمة الدستورية، أنه مخالف للإرادة الوطنية. ويقول أن مخاطر كبيرة تهدد تركيا إذا لم يتم الحفاظ على مبادئ الدولة، وأنه وفقا للدستور فإن المحكمة لا يحق لها النظر في موضوع التعديلات الدستورية وأن سلطاتها إجرائية فقط.
ويرى أردوغان أن تعطيل إرادة البرلمان الذي يستحوذ حزب العدالة على غالبية، سلوك يخالف الإرادة الشعبية.
ومن جانبه، اعتبر رئيس البرلمان التركي كوكسال توبتان انه بات على تركيا ان تعيد النظر بدستورها ونظامها البرلماني.
معربا عن الأسف لقرار القضاء منع ارتداء الحجاب في الجامعات. وقال توبتان الذي ينتمي الى حزب العدالة والتنمية ان المحكمة الدستورية تجاوزت صلاحياتها عندما ألغت تعديلا قدمه حزبه وصادق عليه البرلمان في فبراير الماضي.
ويرى توبتان ان هذا القرار يطرح مسألة الفصل بين السلطات، ويثير قلقا عميقا إزاء فرص تقدم الديمقراطية. لذلك دعا الى مناقشة دستور جديد ونظام برلماني ب(غرفتين)، معتبرا ان نظاما من هذا النوع سيخفف من الضغوط على المحكمة الدستورية وسيتيح لها العمل بشكل مريح اكثر. وقال انه ينوي دعوة كبار المسؤولين السياسيين في البلاد قريبا لمناقشة تداعيات هذا القرار.
وعلى نفس الموقف، انتقد بولنت ارينش الرئيس السابق للبرلمان والعضو النافذ في حزب العدالة والتنمية، قرار المحكمة الدستورية. وقال ان المحكمة استخدمت بشكل سييء الصلاحيات الموكلة إليها، مشيرا إلى أن حكمها خاطيء وخطير. أما الصحافة التركية، فقد انقسمت على نفسها بين مؤيد ومعارض.
خرق لحقوق الإنسان
في ظل هذه الظروف، تحظى حكومة أردوغان بدعم مثير من جانب منظمة أميركية عالمية وهي (هيومان رايتس) المعنية بحقوق الإنسان. فقد اعتبرت المنظمة ان القرار الأخير للقضاء التركي بحظر ارتداء الحجاب في الجامعات هو خرق لحقوق الإنسان. وقالت مديرة هذه المنظمة لمنطقة أوروبا وآسيا الوسطى هولي كارتنر ان هذا القرار يعني ان النساء اللواتي اخترن ارتداء الحجاب في تركيا سيصبحن مجبرات على الاختيار بين الحجاب والتعلم، وان الأمر مخيب للآمال ولا يبشر خيرا بتقدم عملية الإصلاحات.
على أي الأحوال يحسب لأردوغان أنه يتجنب التصعيد. فكما تقول صحيفة الغارديان البريطانية - يحاول بكل قوته إنقاذ حياته السياسية بسعيه لتقليص التوتر مع المؤسسات العلمانية والذي يهدد بتقسيم البلاد. ولجأ الآن إلى استخدام لهجة هادئة تستهدف عدم الصدام مع كافة المؤسسات العلمانية التي يبدو أنها مازالت تسعى إلى فرض سلطانها.
وتعهد هو وأنصاره من جانب وكبار القضاة من جانب آخر بتجنب صدام السلطات. وقال في خطاب تلفزيوني إن على الجميع الإحجام عن أي فعل يتعارض مع سيادة الدستور، فسيادة المؤسسات الدستورية أمر غير قابل للمناقشة.
ولكن كيف ستنتهي الأمور بعد قرار المحكمة؟
يرى المحللون ان موقف أردوغان الأخير يستهدف استرضاء أعدائه السياسيين في المؤسستين القضائية والعسكرية. ومن جانبه، يرى سنجيز أكتر أستاذ الشؤون الأوروبية في جامعة اسطنبول إن الوقت قد فات بالنسبة لأردوغان، فالكثيرون في المؤسسة القديمة لا يريدونه ويكرهونه وهو بالنسبة لهم أقرب إلى الشيطان. وبالتالي فالأمور لن تهدأ وقد يزداد التوتر على الساحة وتظهر دعوات لإنهاء حكم (العدالة والتنمية).
ولكن صحيفة الغارديان ترى انه في حالة إغلاق حزب العدالة والتنمية فإنه سيعاد تشكيله تحت اسم آخر وبدون أردوغان وغيره من القيادات الذين قد يتعرضون لفرض الحظر على ممارستهم للنشاط السياسي.
حسن صابر
