مما لا شك فيه أن المنطقة العربية تعد من أكثر مناطق العالم توترا، ما يجعلها تعيش دوما على صفيح ساخن بفعل العديد من الأسباب، أبرزها التدخل الأجنبي في شؤون دولها الداخلية لتحقيق أطماع القوى الكبرى، الأمر الذي حول المنطقة المهمة إلى نقطة استقطاب وجعلها بمثابة قنابل موقوتة مرشحة للانفجار في أي وقت .
ولعل نجاح الوساطة القطرية في نزع فتيل الأزمة بين أطراف الصراع اللبناني بعيدا عن الاستقطابات الخارجية وحسابات القوى الدولية والإقليمية أعاد من جديد طرح السؤال حول إمكانية حل الخلافات العربية ـ العربية، وما أكثرها وما أخطرها، داخل البيت العربي وتحت المظلة العربية بعيدا عن حسابات المصالح التي تحددها الأطماع الخارجية في المنطقة.
لكل مشكلة ظروفها
من جهته يؤكد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق الدكتور عبدالله الأشعل أن لاتفاق الدوحة ظروفه وأن لكل مشكلة معطياتها وملابساتها التي تختلف أو تتفق أو تتشابه مع بعضها البعض كما ان هناك عوامل إقليمية ودولية قد تساعد على إنجاح الوساطات أو عرقلتها وإفشالها وفق حسابات المصالح التي تحدد توجهات وتحركات القوى الدولية والإقليمية والدول المختلفة.
فالسياسة الدولية لا توجد فيها قوالب ثابتة أو قواعد عامة يمكن تطبيقها بنفس الخطوات والإطار على مختلف المشاكل ولو كان الأمر كذلك ما ظهرت المشاكل وما استمر بعضها لعشرات السنين فالوضع يختلف من مشكلة لأخرى، بل ويختلف داخل المشكلة الواحدة من وقت لآخر ومن ظرف لآخر حسب تنوع الرؤى وحسابات القوى والنفوذ وتغير المفاهيم والظروف الدولية والإقليمية.
وأضاف الأشعل أن الأزمة اللبنانية شهدت زخما دوليا واسعا في القترة الأخيرة وتشابكت كثير من الخيوط في عدد من القضايا وكان نتيجة ذلك حدوث انفراجة كبيرة في الساحة اللبنانية فقد كانت الظروف الدولية و الإقليمية مواتية وتكاتفت القوى الدولية لإنجاح الوساطة التي قامت بها قطر بمساندة ودعم من القوى الكبرى وخاصة الولايات المتحدة وفرنسا في محاولة منهما لتقليص دور كل من حزب الله وحماس.
ويرى الوزير السابق في السلطة الفلسطينية حسن عصفور أن المبادرة القطرية لنزع فتيل الأزمة اللبنانية أمر يستحق التقدير والإشادة مشيرا إلى أن هذه المبادرة لم تأت من فراغ وإنما انطلاقا من عمل عربي مشترك وجهد مشكور للأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى الذي قام بعدد من الجولات التوفيقية بين الأطياف اللبنانية .
ثم جاء اجتماع وزراء الخارجية العرب والزيارة التي قام بها عدد من الوزراء العرب لبيروت قبيل الانتقال إلى الدوحة لاستكمال إجراءات الحل ونزع فتيل الأزمة، فالنجاح القطري جاء منطلقا ومدعوما من توجه وجهد عربي موحد لاقى قبولا إقليميا ودوليا ولبى مختلف المطالب المحلية والإقليمية والدولية .
واستطرد عصفور قائلا: إن ما تم على المسار اللبناني يمكن تطبيقه بلا شك على المسار الفلسطيني خاصة فيما يتعلق بالمصالحة الفلسطينية الداخلية فلو توحدت الجهود العربية وصدقت النوايا فيما يتعلق برأب الصدع بين الفصائل الفلسطينية ومارست الدول العربية الضغوط المطلوبة.
وخاصة على الفصائل التي تلقى دعما خارجيا وتحظى بمساندة عربية فإن هذا من شأنه إنهاء الأزمة الفلسطينية حتى يتفرغ المفاوض الفلسطيني للتفاوض واستعادة حقوقه المسلوبة إلا أن القوى الدولية بتحريض من إسرائيل تحاول دائما زرع بذور الفتنة والعمل على استمرار الاقتتال الداخلي وللأسف هذه القوى تجد من يستمع إليها وينفذ ما تريد تحت مزاعم مختلفة.
آليات عمل مطلوبة
ومن جانبه، أكد الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية الدكتور عمرو الشوبكي أهمية وجود حوار عربي واستراتيجية ووجود آلية لنزع فتيل الأزمات بين الدول العربية والقضاء على الخلافات القائمة بين البلدان العربية، مشيرا إلى أنه من المؤسف أن هناك من يقف دائما ضد وجود مثل هذه الآليات إما برفضها والعمل على وأدها في مهدها .
أو إفراغها من محتواها وإفقادها رسالتها مثل مجلس «السلم والأمن العربي» الذي دخل حيز التنفيذ منذ أشهر ولكنه مجرد حبر على ورق وكذلك «محكمة العدل العربية» التي لم تخرج إلى النور حتى الآن بلا مبرر معروف ليضافا إلى ما سبق أن تم إقراره من آليات عربية مختلفة ولكنها بقيت مجرد كلمات وعبارات ولم تخرج عن نطاق الأرفف التي وضعت عليها.
وقال إن المنطقة العربية تفتقد آليات عمل لدرء الخلافات العربية ونزع فتيل الأزمة بين البلدان العربية نتيجة تمسك القيادات العربية وتشبثها بمواقفها بغض النظر عن نتائجها أو مردودها على العلاقات العربية أو المستقبل العربي المشترك.
وأشار في هذا الإطار إلى الوضع القائم حاليا فيما بين كل من المملكة العربية السعودية ومصر وسوريا وانعكاس الوضع الراهن على مجمل العلاقات العربية التي تشهد تراجعا لم تشهده منذ الغزو العراقي للكويت لما للدول الثلاث من ثقل ودور محوري إقليمي ودولي.
إضاءة
لكل مشكلة معطياتها وملابساتها التي تختلف أو تتفق أو تتشابه مع بعضها البعض، كما أن هناك عوامل إقليمية ودولية قد تساعد على إنجاح الوساطات أو عرقلتها وإفشالها وفق حسابات المصالح التي تحدد توجهات وتحركات القوى الدولية والإقليمية والدول المختلفة، فالسياسة الدولية لا توجد فيها قوالب ثابتة أو قواعد عامة يمكن تطبيقها بنفس الخطوات والإطار على مختلف المشاكل، ولو كان الأمر كذلك ما ظهرت المشاكل وما استمر بعضها لعشرات السنين. «عبد الله الأشعل».
القاهرة ـ «البيان»

