يتصادف التحول على صعيد الاتجاه للمصالحة بين حركتي فتح وحماس مع مناخ من المصالحات العربية ـ العربية التي رأى البعض أنها تبشر بدخول العمل العربي أجواء مختلفة بفعل النجاح الذي تحقق في الدوحة وطوي صفحة الخلاف المستعر في لبنان. السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما هي أبعاد الاتجاه إلى المصالحة بين فتح وحماس؟ وهل يمكن بالفعل طي صفحة الخلاف بينهما وبدء العمل الفلسطيني انطلاقا من مرحلة جديدة تتسم بالوحدة؟ هذا ما نحاول استشراف آفاقه في السطور المقبلة.

متطلبات المصالحة

فيما يشير إلى تحول على الصعيد الفلسطيني راح الرئيس أبو مازن يؤكد أوائل الشهر الجاري بدء حوار وطني شامل، الأمر الذي رحبت به حركة حماس، من خلال ممثليها المختلفين وعلى رأسهم إسماعيل هنية رئيس الوزراء في الحكومة المقالة الذي أكد بدوره تمسك حماس ببدء الحوار دون شروط مسبقة على أن يتم بحث جميع التفاصيل على الطاولة حتى يتم التوصل لاتفاق شامل. ولكن ما هو الجديد الذي دعا أبو مازن إلى تعديل موقفه؟ وهل يمثل ذلك تغييرا يمكن أن يمثل تلاقيا مع حماس في منتصف الطريق؟

بعيدا عن التفسيرات الرسمية والتي تشير إلى أن موقف أبومازن يأتي لإنقاذ المشروع الوطني الفلسطيني من الانهيار ـ حيث ان هذا الوضع كان قد تحقق بالفعل ولم تتنازل السلطة الفلسطينية عن موقفها ـ وتكشف المتابعة الدقيقة عن أن موقف أبو مازن يأتي على خلفية العديد من العوامل التي تكشف فشل رهانات السلطة خلال العام الذي مضى على تولي حماس الأوضاع في غزة. ويتحدد هذا الفشل على ثلاثة مستويات وهي:

أولا: المفاوضات مع إسرائيل: حيث لم يتم إنجاز أي تقدم على صعيد المفاوضات رغم لقاءات عباس المتكررة مع أولمرت على نحو أثار الدهشة من تشدد الرئيس الفلسطيني بشأن اللقاء مع ممثلي حماس مقابل تساهل بدا غير مبرر تجاه قادة إسرائيل. وقد تعزز هذا الشعور بالفشل إزاء حقيقة عدم إبداء حكومة أولمرت الحد الأدنى من المرونة المطلوبة للتوصل إلى تسوية سياسية.

ثانيا : ومما زاد من مظاهر أزمة مسار المفاوضات تدشين تل أبيب لعبة المسارات ببدء مفاوضات مع دمشق بوساطة تركية وهو ما كان يعني وضع الملف الفلسطيني في مرتبة تالية.

ثالثا: يضاف إلى ما سبق تبدد الآمال بتحقق وعد بوش بقيام الدولة الفلسطينية في عام 2008، في الوقت ذاته الذي تعلن فيه إسرائيل تعزيز سياسات الاستيطان.

يمكننا هذا الطرح من إدراك حجم المأزق الذي تواجهه السلطة الفلسطينية والتي تمثلها فتح بالأساس والذي يصعب معه استمرار الانقسام الفلسطيني دون ثمن تفاوضي.

حماس.. المكاسب والخسائر

وإذا كان هذا هو الوضع على صعيد فتح، فإن التساؤل يدور عن الجديد على صعيد حماس؟ هنا يمكن الإشارة إلى أنه لا جديد على هذا الصعيد فيما يتعلق بالحوار، فقيادات حماس أعلنت منذ اللحظة الأولى قبولها للحوار ولكن بدون شروط مسبقة، إن لم يكن العكس، فحماس تدخل أي مساع للحوار هذه المرة وقد حققت مكاسب على صعيد الخلاف مع فتح، رغم أن ذلك يمثل خصما من القضية الفلسطينية ككل.

فمن ناحية فشلت سياسة عزل حماس التي عملت قوى مختلفة مناوئة لها على تطبيقها بدءا من الولايات المتحدة مرورا بإسرائيل وإنتهاء بأطراف إقليمية وداخلية فلسطينية وهي السياسة التي مورست بمختلف الوسائل وإن لم تؤت ثمارها بفعل صمود حماس، الأمر الذي تم على حساب أوضاع الفلسطينيين في غزة الذين دفعوا ثمنه باهظا.

في الوقت ذاته، وفيما يشير إلى اشتداد عود حماس، الاعتراف بها من قبل أطراف كانت ترفض ذلك من قبل. ونخص بالذكر هنا مصر، التي راحت تنشط لجهة القيام بمساعي التهدئة بينها وبين إسرائيل، رغم تحفظ القاهرة على التعامل مع حماس من قبل.

غير أنه على الجانب الآخر، يمكن الإشارة إلى وطأة الحصار الذي تفرضه إسرائيل على غزة، فرغم ملامح الصمود التي أشرنا اليها، إلا أنه من الصعب مواصلته، فضلا عما قد يؤدي اليه من سخط وتراجع في أرصدة حماس على مستوى الشارع الفلسطيني.

إلى جانب أنه على صعيد التقدم بحل القضية الفلسطينية فإن موقف حماس لم يضف جديدا إن لم يكن أصابها بالجمود وأتاح لإسرائيل فرصة اللعب على الخلاف بينها وبين فتح. ولعل ذلك انعكس في قبولها لمساعي القاهرة للتهدئة وفي الوقت ذاته الترحيب الشديد بطي مرحلة الخلاف مع فتح.

طي صفحة الخلاف

السؤال هنا هو .. بعيدا عن الأمنيات، هل يمكن طي صفحة الخلاف بالفعل بين الحركتين؟

إن محاولة استيعاب دروس المحاولات السابقة يمكن أن تكون مرشدا لنا على صعيد تلمس الإجابة. فمنذ بدء مظاهر الخلاف بين الجانبين إثر صعود حماس وفوزها في الانتخابات وتكليف عباس لها بتشكيل الحكومة الفلسطينية تعددت مساعي الوساطة بينهما على نحو انخرطت فيه معظم الدول العربية الفاعلة تقريبا، بل وامتدت الوساطات إلى أطراف غير عربية.

وقد شملت جهود الوساطة الجادة التي يمكن الإشارة إليها في هذا الخصوص الوساطة المصرية، السعودية، القطرية، اليمنية، وأخيرا السنغالية. ومن بين هذه الوساطات انتهت اثنتان منها بالتوصل إلى اتفاق، هما الوساطة السعودية واليمنية. ونعرض فيما يلي لمحة سريعة عن كل وساطة في الإطار الذي يخدم الهدف من هذا الموضوع ويتعلق بإمكانية نجاح جهود المصالحة بين حماس وفتح.

ا ـ الوساطة السعودية: تمت برعاية الملك عبدالله بن عبد العزيز في ظل ظروف بالغة القسوة على الصعيد الفلسطيني والذي كان قد وصل إلى مرحلة الاقتتال بين أنصار الفصيلين وانتهت بالتوقيع على ما عرف باتفاق مكة والذي قضى بتشكيل حكومة وحدة وطنية لم تصمد طويلا أمام الخلافات بين الجانبين.

ب ـ الوساطة اليمنية: تمت بناء على مبادرة من الرئيس علي صالح وساد بشأنها جدل كبير بين الجانبين راحت معه فتح تتهم حماس بإفشال المبادرة في ظل تحفظ هذه الأخيرة على بعض بنودها خاصة ذلك المتعلق بعودة الأوضاع إلى ما كانت عليه في غزة حيث كانت حماس ترى أنه يعني التأكيد على شرعية حكومتها، فيما كانت فتح تصر على أنه يعني تسليم السيطرة على غزة إليها. وانتهت بتوقيع اتفاق للمصالحة لم يصمد طويلا كذلك.

ج ـ الوساطة المصرية: لا يمكن الحديث هنا عن وساطة بالمعنى المفهوم حيث بذلت مصر جهودا في مراحل مبكرة من أجل تجنب وصول الأمر بالطرفين إلى مرحلة الشقاق إثر تولي حماس الحكومة غير أن الموقف انتهى باندلاع قتال مسلح بينهما. وإن كانت مصر تلعب دورا محوريا على صعيد آخر أشرنا إليه يتعلق بالتهدئة بين حماس وإسرائيل.

وفيما يمثل تطويرا لهذا الدور تجددت أنباء عن بدء القاهرة الإعداد لاستضافة جلسات الحوار الفلسطيني بهدف التوصل إلى مصالحة بين الحركتين. وجاء الإعلان عن ذلك إثر لقاء مبارك بعباس في القاهرة في 9 يونيو الجاري.

وعلى ذلك فإن تحرك القاهرة الأخير قد يعمل على تحقيق هدف مزدوج وهو رفع الحصار عن غزة في إطار اتفاق مصالحة فلسطيني يقضي بتسلم السلطة الأوضاع في غزة بشكل أو بآخر بما يحول دون تكرار سيناريو اقتحام معبر رفح، وليكون ذلك التحول، حال تحققه، بمثابة اختراق على صعيد تطورات الوضع الفلسطيني.

د ـ الوساطة القطرية: وهي وساطة يتنامى دورها في ضوء الوهج الذي حققته الدوحة بفعل اتفاق الفرقاء اللبنانيين، الأمر الذي انعكس فلسطينيا في زيارة الزهار القيادي في حماس للعاصمة القطرية والاتصالين اللذين أجراهما مشعل وهنية بأمير قطر مؤخرا.

ورغم أرصدة قطر على النحو الذي يعزز وساطتها إلا أنه من الجدير بالإشارة هنا أنها سعت بقوة من قبل لحل الخلاف الفلسطيني من خلال زيارة وزير الخارجية حمد بن جاسم لغزة في أكتوبر 2006 وهي الزيارة التي لم تحقق نجاحا ملحوظا على خلفية رفض حماس أن يتضمن برنامج الحكومة أي اعتراف بإسرائيل أو بالاتفاقات الإسرائيلية الفلسطينية.

هـ ـ وساطة السنغال: ورغم الدهشة التي قد يستقبل بها المواطن العربي هذه الوساطة إلا أن المصادر الفلسطينية أشارت الى أنها أعادت الثقة بين فتح وحماس. وهنا فإن الرئيس عبد الله واد يدخل هذه التجربة وفي خلفيته نجاحه في المصالحة بين الرئيسين السوداني والتشادي وإن كان البعض يشير إلى أنها مبادرة لا تتجاوز الإطار الشكلي.

صعوبات الاختراق

دون مبالغة في التشاؤم يمكن القول ان خبرات الوساطات السابقة، رغم الثقل الذي يتمتع به الوسطاء وفاعليتهم، تشير إلى صعوبة تحقيق اختراق كبير على صعيد المصالحة الفلسطينية. وهنا يمكن رصد بعدين يلقيان بتأثيرهما على عرقلة المصالحة يتمثلان في:

أولا: التباين الكبير في أجندة الحركتين، وهو ما يتمثل في إصرار حماس على تمسكها بمجموعة من الثوابت مغايرة للرؤية التي تتبناها فتح. وفي ضوء الواقعية التي أصبحت تتسم بها حماس من خلال التجربة العملية على أرض الواقع يمكن القول بإمكانية تحقيق نوع من التلاقي يمكن معه تجاوز حالة انعدام الثقة بين الطرفين، وهو تحول يرتبط بالبعد الثاني.

ثانيا: الممانعة الأميركية الإسرائيلية: فواشنطن تعارض إضفاء شرعية على حماس ما لم تتخل عن عدائها لإسرائيل وتنهي هجماتها عليها وهو الهدف الإسرائيلي ذاته، ما ينعكس في مساع أميركية إسرائيلية للمحافظة على الانقسام الفلسطيني، الأمر الذي يمكن تفسير بعض مواقف السلطة الفلسطينية من خلاله وهي المواقف التي عكست استقواء خلال المراحل المختلفة للخلاف.

وعلى ذلك فإن مستقبل المصالحة مرهون بتطور مواقف الحركتين في اتجاهات محددة، وهو ما يرتبط بالسقف الذي تراه كل حركة لنفسها. فإما أن تنصاع حماس وتقبل بالطروحات التي تقبل بها السلطة وهو أمر يفقدها شرعيتها الشعبية التي أهلتها للفوز في الانتخابات.

وإما أن تنبذ السلطة الخيارات الأميركية الإسرائيلية في ضوء فشلها وهو أمر يبدو متعذرا في ظل العديد من الظروف. ما يعني في النهاية أننا لا ينبغي أن ننتظر في الأفق القريب مصالحة يمكن أن تعود بالأوضاع الفلسطينية إلى حالة الوفاق التي عهدناها فيما قبل وصول حماس إلى الحكم.

إضاءة

مستقبل المصالحة مرهون بتطور مواقف الحركتين في اتجاهات محددة، وهو ما يرتبط بالسقف الذي تراه كل حركة لنفسها. فإما أن تنصاع حماس وتقبل بالطروحات التي تقبل بها السلطة وهو أمر يفقدها شرعيتها الشعبية التي أهلتها للفوز في الانتخابات.

وإما أن تنبذ السلطة الخيارات الأميركية الإسرائيلية في ضوء فشلها وهو أمر يبدو متعذرا في ظل العديد من الظروف. ما يعني في النهاية أننا لا ينبغي أن ننتظر في الأفق القريب مصالحة يمكن أن تعود بالأوضاع الفلسطينية إلى حالة الوفاق التي عهدناها فيما قبل وصول حماس إلى الحكم.

مصطفى عبد الرازق