ما زال موضوع استنساخ البشر يثير جدلا علميا وأخلاقيا ودينيا في مختلف المجتمعات البشرية، لما ينطوي عليه من مفاهيم وقيم تخلخل النظام الاجتماعي الذي قامت عليه جميع المنجزات الإنسانية. وكان لهذا الأمر المثير للجدل مؤيدون لا يتعدون مجموعة تطلق على نفسها اسم »الرائيليين«، فيما يعارضه معظم الناس.
الفقه الإسلامي لم يحسم موقفه حتى الآن والاجتهادات في هذا الأمر بقيت محدودة ولعل العلامة الدكتور وهبة الزحيلي هو الفقيه المسلم الوحيد الذي قدم حكما فقهيا حول هذا الموضوع الشائك بشكل مفصل في الوقت الذي حاول أكثر من مرجع فقهي أن يتهرب من الموضوع أو أن ينكر إمكان حدوثه كما نقل عن العلامة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي.ويرى الدكتور الزحيلي أن الخطورة في موضوع الاستنساخ تكمن في إنتاج نسخ طبق الأصل لبشر، وهو الموضوع الذي كان يحلم به هتلر في الأربعينات لإنتاج جنس بشري جرماني متفوق. لذا اتجهت أميركا وأوروبا والفاتيكان ومنظمة الصحة العالمية لدراسة هذه الظاهرة، وإصدار قوانين تحرم استخدام التقنية الجينية في البشر، لأن ذلك في تقدير الفاتيكان يعد تدخلاً مباشراً في عملية الخلق أو الإبداع الإلهي.
ليس خلقاً من عدم وأكد أن الاستنساخ أو إعادة الزرع أو الهندسة أو التقنية الوراثية يستخدم في مجالات متعددة تتعلق بالنبات والحيوان والإنسان. والواقع الذي ينبغي معرفته أولا انه ليس خلقاً أو إيجادا من العدم، لأن الخلق على هذا النحو ما ينفرد به الله عز وجل، فهو الخالق، ولذا اقتصر القرآن الكريم في إثبات وجود الله تعالى على دليل إمكان الخلق، والآيات كثيرة في هذا الشيء. فليس الاستنساخ إذن تخليقا، وإنما هو عملية دمج بنواة خلية موجودة، وحية أصلا أي أن الخصائص والصفات موجودة في الخلية، ويراد تكوين موجودات متشابهة ومتماثلة. ويرى الدكتور الزحيلي أنه إذا حدث أو طبق الاستنساخ في البشر للحصول على نسل لا يتم بالمعاشرة الجنسية، من طريق تلقيح البويضة بالحيوانات المنوية، وإيجاد أفراد متشابهين، أحدث ذلك هزة عنيفة في كيان الإنسان وحياته وتعامله، بل انه سيحدث مضرة كبيرة فيه.
سواء في نطاق الأسرة الواحدة، أو في الأزواج والأولاد، أو في نطاق التعامل في الشارع والوظيفة والمتجر والمعمل، وغير ذلك من أنشطة الإنسان، وحينئذ يصعب التفاهم، وتختل الأنظمة، وتتعثر المسؤولية المدنية أو الجنائية أو الإدارية، بسبب التشابه الذي هو متاهة أو مضيعة حيث سينعدم التمييز في هذه الحالة. ويكون الاستنساخ أيضاً في مجالات أخرى سبباً في إحداث مخاطر ومخاوف على المستوى الرسمي للدول والشعوب والمجتمعات والأفراد، باتفاق الأديان والعلماء والواقع. ويرى الدكتور الزحيلي أن الحكم على الاستنساخ من يتم من خلال توجيه العلم نحو خير الإنسان ومصلحته، وتحقيق التنمية والتقدم والتطور، والرفاه والسلام، والأمان للعالم كله، فالذرة وتفجيرها خير إذا استخدمت في الأغراض الإنسانية والطبية مثلاً، وشر محض وضرر محقق إذا استعملت في الأهداف الوحشية، وتدمير البشرية، والقضاء على معالم الحياة.
التأني في الحكم
ولا نتعجل بالقول بالمنع أو التحريم خلافاً لما يتصور بعض المهاجمين للعلماء بأنهم لا يعرفون سوى مقدمات الصلاة وغيرها من العبادات. لسنا أيضاً نبادر إلى التكذيب وإنكار معطيات الاستنساخ كما تورطت بعض الهيئات الدينية، لأن ذلك ممكن في النبات والحيوان والإنسان، كما تدل التجارب العلمية التي جوبهت بمعارضة شديدة منذ السبعينات في هذا القرن، من مختلف الأوساط الاجتماعية والفكرية والدينية.
حتى ولو كان الجيل المتشابه في الشكل لا يعني أنه متشابه في الصفات والتفكير، بسبب تأثر الإنسان بظروف بيئة التي يعيش فيها، وتأثير روحه ونزعاته وميوله على سلوكه، واختلاف كل شخص في ذلك عن غيره. من جانبه يرى المفكر محمد شحرور أن موضوع الاستنساخ يعطينا أولاً فكرة واضحة في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين على مدى الإمكانية العلمية التي وهبها رب العالمين للإنسان.
ويعتقد شحرور أن فتح باب المحرمات على مصراعيه حوّل الثقافة العربية الإسلامية إلى ثقافة حلال وحرام.. هذه ثقافة اجتماعية وليست علمية إطلاقا. أي أننا نسأل هل الإنترنت حرام أم حلال قبل أن نسأل كيف صنعت الإنترنت. وهذا النوع من الأسئلة ليس جديدا على قرننا العشرين فهو طرح حول التلفزيون والتليفون وآلاف البنود الأخرى الجديدة. ومع الأسف المؤسسات الفقهية تصدت لهذه المسألة مع أنها ليس لها أي معنى الآن.
ويضيف المحرمات في كتاب الله بضعة عشر محرما مثل قتل النفس ومحارم النكاح وما عدا ذلك يدخل في المسموح والممنوع، وهذا ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما نظم دولته في زمانه لناسه فاستعمل المسموح والممنوع. ويؤكد شحرور أن من يقرر السماح والمنع في موضوع الاستنساخ حكماء الأمة لأن المبادئ الأخلاقية واحدة عند البشرية. ويمكن اعتبار أعضاء الكونغرس الأميركي حكماء الأمة الأميركية. أما من يسمون أنفسهم بالفقهاء فلا علاقة لهم بهذا الأمر مطلقا.
المصلحة أولاً
إلى ذلك يرى الشيخ بسام داود عجك عميد كلية الدعوة الإسلامية بدمشق أن الإسلام يدعو إلى كل ما فيه مصلحة الإنسان، وينهى عن كلِّ ما يضر بها، ولما كان الاستنساخ نوعاً من التقدم العلمي فلا مانع شرعاً من تطوير أبحاثه من حيث المبدأ، أمّا من حيث التفصيل فينظر إليه تبعاً لما يحققه من المصلحة الشرعية المنضبطة بضوابط الشرع والعقل.
ويؤكد الدكتور عجك أن الاستنساخ أنواع: الاستنساخ الحيواني: وهو نوع من التقدم العلمي المباح بقوله تعالى: »هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً« (البقرة: 2/ 29) فلا مانع منه ما لم يُثْبِت العلمُ أن له ضرراً على الإنسان أو على السلالات الحيوانية.
الاستنساخ النباتي: وهو يسخّر لتطوير الأنواع النباتية وتهجينها بما يحسِّن من أنواع سلالاتها؛ ويؤهلها للتكيف مع الظروف البيئية المختلفة، وحكمه حكم الاستنساخ الحيواني.
الاستنساخ البكتيري: وهو المسخّر في تطوير الأنواع البكتيرية وتوسيع دائرة الاستفادة الطبية منها، وهو جائز مادام في مجال إنتاج البكتيريا المفيدة.
الاستنساخ البشري: وهو عبث بخلق الإنسان، ومعاكسة لمراحل خلقه الطبيعية التي يجب أن يمر بها، وينافي ما تميز به الإنسان عن الحيوان وسائر المخلوقات من الكرامة التي أكرمه بها الله تعالى.
إضاءة
«استنساخ الأعضاء البشرية مرحلة يطمح إليها العلماء ولا تزال في مجال البحث العلمي، ولما كان من غير الممكن استنساخ عضو إلا باستنساخ إنسان كامل يقتطع منه هذا العضو؛ فهذه جريمة مركبة: أولاً بما في استنساخ الإنسان وإخضاعه للتجارب المخبرية من إهانة للكرامة الإنسانية، وثانياً في إزهاق روحه لاقتطاع هذا العضو منه؛ بما يخالف كل منطق شرعي أو أخلاقي».
تيسير أحمد



