في مؤتمره السنوي، الذي يعقده مثل هذه الأيام من كل سنة؛ يستنفر »اللوبي« الإسرائيلي في واشنطن، كل قدرات مؤسسته؛ لحشد أكبر تظاهرة تأييد أميركي لتل أبيب. يتمّ التركيز على صنّاع القرار، في الإدارة والكونغرس. وبالتحديد على هذا الأخير، الذي يشارك عادة، معظم أعضاء مجلسيه، الشيوخ والنواب، في هذا الحدث. بالإضافة، طبعاً، إلى مصانع الرأي، من مراكز أبحاث ودراسات وأكاديمية؛ فضلاً عن المطابخ الإعلامية. تتحول المناسبة إلى منبر يتسابق فوقه المتحدثون، في تأييدهم لإسرائيل.
يأخذ المشهد طابع حفل تقديم أوراق اعتماد سياسي لها. وفي عام انتخابات الرئاسة الأميركية، يحرص اللوبي على أن يكون الاحتفال من الوزن الثقيل. يعمل على تأمين أوسع وأرفع حشد لمؤتمره. من خلاله يبرز عضلاته الانتخابية. يدعو المرشحين من الحزبين، للمشاركة وإلقاء كلمات، في المناسبة. يعرض هؤلاء، أمام الملأ، أجندتهم الإسرائيلية. يتبارون في السخاء والالتزام. يجهرون علنا وسلفاً بولائهم لسياسة الانحياز التام لإسرائيل ولاستمرارها.
هذه السنة، حرص اللوبي على أن يكون مؤتمره، الأوسع على الإطلاق. الحضور الذي جمعه لهذه المناسبة، الأسبوع الماضي، فاق حجمه أي مثيل له؛ منذ أن بدأ يعقد مؤتمراته، في الخمسينات من القرن الماضي. وليس في ذلك صدفة. الحشد غير الاعتيادي، يأتي في زمن شرق أوسطي غير اعتيادي.
وربما يشي ذلك بتطورات قادمة، من العيار الثقيل، قد تكون إسرائيل ضالعة فيها؛ الأمر الذي يستوجب توفير أقصى الالتفاف حولها والدعم المسبق لها. وبالتحديد من جانب المرشحين الرئاسيين. ولم يبخل هؤلاء. تنافسوا، خلال المؤتمر، على التقرّب من إسرائيل. كادوا يدخلوا في مزايدة، بين بعضهم؛ لاحتلال الموقع الأقرب.
المرشح الجمهوري، جون ماكين، الذي سبق وزار اسرائيل في مطلع الربيع؛ قدّم نفسه، في كلمته أمام المؤتمر، على أنه الحليف الذي لا يجاوره أحد في احتضانه ورعايته، لإسرائيل؛ والتزامه المطلق بأمنها وبالحفاظ على تفوقها العسكري في المنطقة.
المرشح الديمقراطي، باراك أوباما، فاق كل التوقعات، في إعلان التزامه بالوقوف إلى جانب إسرائيل. تعهد بدعم بقاء القدس »موحدة كعاصمة لإسرائيل«. السناتور هيلاري كلينتون، ألقت هي الأخرى كلمة ـ قبل إعلان انسحابها من المعركة ـ من ذات الطينة.
وكانت قد ذهبت، خلال حملتها قبل أسابيع، إلى حدّ التهديد »بإزالة« إيران عن الخارطة؛ لو هي هاجمت إسرائيل! بازار انتخابي مفتوح، تلوّثت العملية الديمقراطية الأميركية، بمساوماته. وهو بكل حال لا يليق ببلد من عيار قوة عظمى.
المرشحون، يطمعون بدعم اللوبي وماكينته الانتخابية، المتواجدة لجانها المنظمة في كافة الولايات والمتغلغلة في شتى مناحي الحياة، عن طريق هيئات ومنظمات المجتمع المدني. ومن جهة ثانية، يطمعون بالدولار كما بالصوت، اليهوديين. فاليهود الأميركيون، أكثر المتبرعين للحملات الانتخابية، وأكثر المشاركين في عملية الاقتراع.
وهذا له ثقله في ولايات معينة ومهمة، مثل نيويورك وفلوريدا. اللوبي بنى، من خلال هذه المعطيات؛ شبكة انتخابية، نافذة ومؤثرة. فرض حضوره، بحيث صار أحد المفاتيح الانتخابية، التي يحسب لها الحساب . من هذا الموقع ومن خلال تكتيك الابتزاز، أسس اللوبي لثقافة التوسل وشهادة حسن السلوك، لدى المرشحين؛ الرئاسيين منهم أو لمقاعد الكونغرس. بات على هؤلاء نيل بركة اللوبي، مسبقاً.
أو على الأقل أن يلتزموا الابتعاد عن انتقاد إسرائيل وسياسة الإدارة تجاهها. المتمرد على هذه القاعدة، يجري تدفيعه الثمن، بمحاربته انتخابياً؛ كما حصل في حالتين شهيرتين:حالة السناتور الجمهوري تشارلز بيرسي والنائب الديمقراطي، بول فندلي. تهمة (معاداة السامية)، هي واحدة من أمضى الأسلحة التي يستخدمها اللوبي في مثل هذه الحالات ويلصقها بالمتمردين على توجهاته؛ لإغراقهم.
سلاح هو يعرف مدى تأثيره، في الساحة الأميركية. لكن ذلك لا يختصر الصورة بأكملها. فمع كل قوته وإمكانياته، تبقى الانتخابات والتحكم التام بها؛ أكبر بكثير من اللوبي ونفوذه . هو له تأثيره.لكن بحدود. هناك أمران، ساهما في تكبيره: تهافت واندلاق المرشحين، وبرخص،على أبوابه؛ أو سكوتهم عن الاحتضان التام لإسرائيل. وثانياً ترسّخ ثقافة الانحياز التام لإسرائيل والتي اعتمدتها الإدارات المتعاقبة، لاعتبارات وحسابات مختلفة؛ عوجاء وجائرة، في أية حال.
