مثل مؤتمر الأمن الغذائي الذي عقد في مقر منظمة الأغذية والزراعة في العاصمة الإيطالية روما بمشاركة عدد كبير من رؤساء دول وحكومات العالم خطوة مهمة على طريق البحث عن سبل تذليل الأزمة الغذائية، حيث تم خلال المؤتمر تحديد مجموعة من التدابير الكفيلة بضمان الاستقرار في سوق الأغذية العالمية. وقد عكس المؤتمر جهود مواصلة رؤساء العالم مناقشة أزمة الغذاء العالمية والبحث عن طرق وحلول فعالة لحل هذه الأزمة التي أصبحت تشكل مأساة حقيقية بالنسبة لمعظم الدول الفقيرة في العالم.

وقد تمحور جوهر النقاش حول بحث الإجابة عن العديد من التساؤلات من بينها هل يكون الحل في التركيز على الشراكة بين الدول التي تملك الموارد والتكنولوجيا وبين أخرى تقتصر الثروات عندها على الأرض والبشر أم أن الأولوية كما يرى البعض تفرض ضرورة الحد من إنتاج الوقود الحيوي الذي حرم الأسواق في عام 2006 من مئة مليون طن من الحبوب وأدى إلى ارتفاع الأسعار؟ .

كما جرى التساؤل حول مدى استعداد الدول الغنية لتقديم الخبرات والأموال للدول الفقيرة لزيادة قدرتها على تحمل التغيرات المناخية التي تهلك المحاصيل؟ وحقيقة أن فساد بعض الأنظمة يمنع وصول المساعدات من عواصم الغرب؟ وقد أنهى المؤتمر أعماله دون أن يقدم إجابات للعديد من الأسئلة التي ما زالت تنتظر إجابات.

تكاتف إقليمي

لقد جاء المؤتمر في وقت استفحلت فيه أزمة الغذاء العالمية على نحو لم تجد فيه الكثير من دول العالم سوى اللجوء إلى التكاتف في البحث عن أساليب لمواجهة هذا التحدي. فمثلاً قامت أكبر الدول الآسيوية المصدرة للأرز بما فيها الهند والصين وباكستان بتنسيق جهودها، وأعلنت استعدادها لبحث آفاق نمو أسعار الحبوب وطرق جديدة لتوزيعها، إضافة إلى تبادل المعلومات المتعلقة بأوضاع السوق الغذائية.

ويعتزم البنك الآسيوي للتنمية تقديم المساعدة المالية اللازمة.

أما دول أميركا اللاتينية وبحر الكاريبي فقررت في محاولة لتحاشي الهزات الاجتماعية الواسعة النطاق الناتجة عن الجوع.. وضع كل عملية إنتاج المواد الزراعية تحت رقابتها والإشراف على سياسة تحديد أسعار الأغذية وتسويقها.

وفي ما يخص روسيا الاتحادية فإن نمو أسعار الأغذية شمل أسواقها أيضا، لكنها لا تعاني من نقص الطحين وغيرها من المواد الغذائية علاوة على أنها تشغل بثبات المرتبة الثالثة عالميا في مجال تصدير الحبوب، وبذلك تظل عامل يؤمن الاستقرار في سوق الحبوب. وقد جاء المؤتمر في سياق مناقشة واقتراح آليات تفعيل جهود مثل تلك الدول وكذا تنفيذ الآليات التي وضعت منذ عشرات السنين لمواجهة أي شح عالمي في المواد الغذائية.

حلول مطروحة

وعلى صعيد الحلول المطروحة ضرورة ابتكار تكنولوجيات أكثر تكاملية من أجل مواجهة هذه الأزمات وكذا إيجاد آليات لمساعدة تلك الدول التي لا تستطيع أن تدبر نفسها بنفسها ليس عبر التأمين الغذائي والمساعدات الغذائية، والعمل على تكثيف الأبحاث من أجل الحصول على محاصيل جيدة، للقضاء على المجاعة لخلق فرص تخفض نسبة المجاعة.

وإذا كان من الصعب القضاء على الجوع، فإنه يجب تجهيز الكوادر في الأراضي وتعليمها وتأهيلها والوصول إلى التقنيات وتعليمها هذه الآليات على النحو الذي يمكن من الحصول على أفضل المحاصيل. وهنا ينبغي الإشارة إلى أن أبرز أسباب الأزمة الغذائية الاحتكار الكبير في بنى ومؤسسات الدول وسعي كثير من الشركات والدول الحصول على ربح كبير بغض النظر عن الأزمات التي قد تظهر لدى المواطنين العاديين.

ومن أمثلة ذلك الرسوم الجمركية على تصدير واستيراد المواد إلى الاتحاد الأوروبي هي أكثر بعشرة مرات من الرسوم الجمركية في روسيا، و يوجد هناك دائما حواجز في تنفيذ وتفعيل وتصدير المواد الغذائية إلى الخارج. فمثلا تصرف كندا تسعة وثمانين دولاراً على كل هكتار من الأراضي، فيما تصرف الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من مئة دولار على كل هكتار، أما فنلندا فتقدم 500 دولار على كل هكتار من الأراضي المسطحة الزراعية.

فيما يرتفع الرقم في سويسرا مثلا ليصل 4214 دولاراً على الهكتار الواحد. فهل يوجد مقارنة بين سويسرا وافريقيا ولذلك يجب أن يشكل صندوق وبنوك خاصة لتوجه إليها من قبل الدول المتطورة صاحبة الأرباح الزائدة التي تم الحصول عليها من المواد الغذائية.

وفي نظرة تأملية يمكن التأكيد على أن الأزمة التي يواجهها العالم حاليا إنما تعد في أحد تجلياتها نتاج التداعيات السلبية للعولمة، بمعنى خضوع العالم بكامله لآليات السوق والطلب والعرض. وعلى ذلك فإن السؤال هو: هل يمكن تحديد تاريخ للانتهاء من هذه الأزمة العالمية »أزمة الغذاء«. الإجابة التأكيد على أن هناك دوما سبل للحل، وليس هناك مشكلة ليس لها مخرج، وأحد هذه المخارج الدعم المالي لتلك الدول التي تعاني من تلك الأزمة ليس عبر المواد الغذائية بل عبر خلق التكنولوجيات المتكاملة الجيدة لإنتاج المواد الغذائية.

وهنا فإن أرقام نشرة برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة فعلاً مثيرة للرعب حيث تشير إلى أن هناك 400 مليون طفل في العالم يعانون من الجوع وأن طفلاً واحداً يموت خلال 5 ثوانٍ بسبب أمراض مرتبطة بالجوع، والمسؤول عن هذا كله الدول المتطورة والمتحضرة والتي تستطيع أن تحسب لعشرات السنين مستوى التوازن الغذائي في العالم وفي مجال الطاقة.. وغير ذلك من جوانب يمكن أن تساعد على تجنب الأزمة أو استفحالها.

ومع ذلك فإن هناك شكوكاً حول حجم الأموال المتوفرة لمواجهة الحاجات الطارئة وحول القدرة على الاتفاق بين دول تختلف مصالحها ومع ذلك يأمل البعض في إيجاد الحلول، فبعض الخبراء يرى في خطة العمل التي يحاول بان كي مون الأمين العام للأمم المتحدة تشجيع المجتمعين على الاتفاق بشأنها الإطار الجيد للحل بينما يرى آخرون من المجتمع المدني يعتبرون أنها غير كافية.

ويجمع الخبراء أنه لا خيار أمام المجتمع الدولي سوى الاتفاق، حتى ولو كان هذا الاتفاق بداية الطريق. لكن بين إطلاق الوعود وتنفيذها سيبقى ملايين البشر يعانون من سوء التغذية وقد تكون هذه المعاناة الدافع للتحرك بفاعلية أكبر في المستقبل.

أما على صعيد الأوضاع لدينا في العالم العربي فنحن نعاني من أزمة في الإنتاج الغذائي حيث حصيلة استيراد الغذاء السنوية تبلغ (17) مليار دولار يتم من خلالها استيراد حوالي (75) مليون طن من الأغذية على الموائد العربية وفي هذا الصدد تتعدد الأسباب لينينتهي عصر الأكل الرخيص في العالم العربي.

د. معمر الفار