يطرح السؤال حول مصير العلاقات الروسية ـ الإيرانية مع الرئيس الجديد في الكريملين ديمتري مدفيديف نفسه بإلحاح على الساحة الدولية، وإن كانت المؤشرات خلال الأيام الماضية تعكس عدم وجود تغييرات في العلاقة، بل ربما على الأكثر تعكس نموا وتحسنا فيها.
وكان الرئيس الروسي السابق ورئيس الوزراء الحالي فلاديمير بوتين تصدى في أول زيارة خارجية له إلى فرنسا وفي حديث له مع صحيفة »لوموند« الفرنسية في أواخر مايو المنصرم بلهجة حادة وواضحة للدفاع عن إيران قائلا: »إن روسيا لا ترى مبررا للاشتباه في أن إيران تسعى إلى صنع أسلحة نووية«، وأضاف قائلا »يجب علينا أن نعترف بأن إيران لم تنتهك أي معاهدة دولية خاصة بالطاقة النووية وقد كشفت النقاب عن برامجها النووية بشكل عام. وفي ما يخص تخصيب اليورانيوم فإن المواثيق الدولية تمنح إيران هذا الحق«.
من المعروف أن روسيا هي الصديق وربما الحليف الأول لإيران على الساحة الدولية، هذا على الرغم مما يبدو أحيانا من فتور أو مشاكل في العلاقات بينهما، والتي يرى البعض أنها أمور متفق عليها بينهما بهدف عدم إحراج روسيا على الساحة الدولية. وحتى موافقة روسيا على قرار مجلس الأمن الدولي الأخير رقم 1803 بشأن العقوبات الاقتصادية الجديدة على إيران لم يقابل برد فعل حاد من طهران، بل على العكس سمعنا الرئيس الإيراني أحمدي نجاد يصرح للصحافيين في طهران في الثالث عشر من مايو المنصرم قائلا »إن هذا الأمر لن يؤثر على علاقاتنا مع الأصدقاء الروس ونحن نتفهم الضغوط التي يواجهونها«.
توازن في الرؤية لقد كان الرئيس السابق بوتين هادئا في البداية في التعامل مع أزمة البرنامج النووي الإيراني، ولم يبد تشددا مع الأوروبيين والأميركيين بشأن الضغط على إيران، ولكن رغم هذا أتمت روسيا بناء محطة بوشهر النووية الإيرانية وأمدتها بالوقود النووي اللازم لها، كما حصلت إيران في عهد بوتين على أسلحة روسية بكميات كبيرة ونوعيات دفاعية قوية مثل منظومة الصواريخ المضادة للطائرات (توبول ـ ام 1). ويذكر الجميع أنه عندما اشتدت الأزمة بين واشنطن وطهران في العام الماضي، وبدا أن الضربة العسكرية الأميركية لإيران على وشك الوقوع، وبدأت البارجات الحربية وحاملات الطائرات الأميركية تنشط في الخليج، وجه الرئيس بوتين دعوة عاجلة للدول الخمس المطلة على بحر قزوين لعقد قمة طارئة في طهران في منتصف أكتوبر الماضي كان الهدف منها تأكيد الدعم الإقليمي لإيران.
وجازف بوتين بالتوجه لإيران لحضور القمة رغم شائعات قوية ومعلومات أمنية روسية كانت تؤكد احتمال تعرضه لمحاولة اغتيال في طهران من قبل جهات إيرانية معارضة، وقيل ان زيارة بوتين كانت رسالة واضحة لواشنطن بأن إيران ليست وحدها. الآن بعد أن رحل بوتين من الكرملين ليحل محله الرئيس الجديد ديمتري مدفيديف المعروف بعقليته الليبرالية والاقتصادية المنفتحة على الغرب والمختلفة عن العقلية الأمنية والسياسية لرجل الاستخبارات السوفيتية السابق بوتين، يطرح السؤال بجدية وبإلحاح حول مصير العلاقات الروسية ـ الإيرانية مع مدفيديف، وخاصة مع عودة التصعيد في أزمة البرنامج النووي الإيراني وعودة تردد صيحات الصقور من المحافظين في واشنطن بضرورة توجيه ضربة لإيران.
تبديد الشكوك
عندما وافق الرئيس بوتين على قرار مجلس الأمن بالعقوبات ضد إيران مارس الماضي قبل تولي الرئيس الجديد مدفيديف الرئاسة بيومين فقط، خرجت الشائعات تملأ الصحف ووسائل الإعلام في روسيا والغرب تقول إن بوتين يريد أن يخلي مسؤولية خليفته مدفيديف،الذي اختاره هو للرئاسة، من ملف النووي الإيراني الشائك فاختار له الطريق الأسهل للغرب ضد إيران.
الواقع أن هذه الآراء والتخمينات تفتقر للتحليل الموضوعي، حيث ان العلاقات الروسية ـ الإيرانية لها أبعاد إقليمية استراتيجية وأمنية وأيضا اقتصادية على درجة عالية من الأهمية بالنسبة للبلدين، وربما لموسكو أكثر، خاصة في ظل القلاقل والاضطرابات التي تواجهها روسيا في منطقة وسط آسيا والقوقاز وأيضا في بحر قزوين، وهي الأمور التي لا تشك روسيا لحظة واحدة في الدور الأميركي وراءها.
وكذلك توسعات حلف شمال الأطلسي تجاه الحدود الروسية وتصريحات قادة الحلف بأن منطقة بحر قزوين تدخل ضمن استراتيجية الحلف، وإيران بحكم موقعها ووزنها الإقليمي تشكل بالنسبة لروسيا في المنطقة حليفا مهما وموثوقا فيه، وقد ثبت ذلك من قبل في ممارسات كثيرة مثل موقف طهران من قضية الشيشان، وموقفها المؤيد لروسيا حول قضية تقسيم ثروات بحر قزوين، وموقفها من النزاع بين أذربيجان المسلمة وأرمينيا المسيحية حول إقليم »كاراباخ« المتنازع عليه بينهما، حيث دعمت طهران أرمينيا المسيحية بتوجيهات من موسكو ولم تعر أي اهتمام لانتقادات العالم الإسلامي.
شواهد على التطور
هذه الشواهد وشواهد أخرى كثيرة تؤكد أن العلاقات بين موسكو وطهران لن تتأثر مع الرئيس الجديد مدفيديف، هذا إذا لم تتطور أكثر، وهذا ما بدا في الرسالة التي أرسلها بوتين مع سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي فالنتين سوبوليف إلى الرئيس الإيراني أحمدي نجاد عشية تنصيب الرئيس مدفيديف، والذي طمأنه فيها على ثبات مبادئ العلاقات بين البلدين، وهو ما دعا الرئيس الإيراني نجاد للتصريح بأن العلاقات مع روسيا ستواصل تطورها مع الرئيس مدفيديف.
وعلى ما يبدو أن بوادر هذا التطور ظهرت في زيارة مدفيديف الأولى للصين منذ أيام، حيث كتبت بعض الصحف تقول ان مدفيديف ناقش مع الزعيم الصيني هوجينتاو مسألة انضمام إيران لعضوية منظمة شنغهاي للتعاون، والتي تتمتع فيها إيران حتى الآن هي والهند بصفة مراقب، علما أن طهران سبق أن طلبت هذه العضوية من قبل أكثر من مرة ولكن موسكو وبكين رأتا تأجيل هذه الخطوة حتى لا يثور الغرب ضد المنظمة.
ولو تحقق هذا الأمر فسيكون انتصارا كبيرا لإيران لأن ميثاق هذه المنظمة ينص على ضمان أعضائها لأمن بعضهم بعضا. وعلى ذلك فإن العلاقات الروسية ـ الإيرانية مرشحة للنمو والتطور في عهد مدفيديف، وهذا في حد ذاته يطرح السؤال حول العلاقات الروسية ـ العربية، وخاصة علاقات موسكو مع دول الخليج العربي، حيث سعت روسيا بجهد ملحوظ خلال حكم الرئيس بوتين لفتح صفحة جديدة من العلاقات مع دول الخليج العربي.
وتمثل هذا الأمر في الزيارات التي قام بها بوتين لدول الخليج (الإمارات والسعودية وقطر)، وفي اعتقادنا أن تطور العلاقات الإيرانية ـ الروسية يفرض بالضرورة تطوير العلاقات الروسية ـ العربية، والخليجية بالتحديد، وهذا أمر تفرضه مقتضيات السياسة والأمن الإقليمي، وإذا كانت موسكو قد بادرت بالتوجه نحو العرب فإنه يجب على العرب بدورهم أن يستوعبوا جيدا تطور العلاقات الروسية ـ الإيرانية ومدى تأثيرها على الأوضاع الإقليمية.
إضاءة
كان الرئيس السابق بوتين هادئاً في البداية في التعامل مع أزمة البرنامج النووي الإيراني، ولم يبد تشددا مع الأوروبيين والأميركيين بشأن الضغط على إيران، ولكن رغم هذا أتمت روسيا بناء محطة بوشهر النووية الإيرانية وأمدتها بالوقود النووي اللازم لها.
د. مغازي البدراوي



