بقدر ما أثارت تطورات المفاوضات بين العراق والولايات المتحدة بشأن الاتفاقية الأمنية من قلق ومخاوف على صعيد الداخل العراقي، أثارت حالة مماثلة على الصعيد الإيراني، على النحو الذي زاد من حجم التساؤلات بشأن إمكانية توقيع هذه الاتفاقية في ظل ما يبدو من معارضة أطراف محورية لها، إن على صعيد الداخل أو الخارج الإقليمي.

وإذا كانت مخاوف الداخل العراقي تخضع للمناورات السياسية على النحو الذي يمكن معه توقع تجاوزها في ظل ترتيبات محددة، فإن الموقف الإيراني ينطلق من مخاوف حقيقية تمس مستقبل البلاد في ضوء تزايد التوتر بين واشنطن وطهران إلى الحد الذي ظهرت معه خلال الفترة الماضية العديد من السيناريوهات التي ترجح احتمال اندلاع مواجهات عسكرية بشكل أو بآخر بين الجانبين.

ومن هنا تبدو أهمية البحث في طبيعة الموقف الإيراني وحدود تأثيره على مسار الأحداث في العراق، وخاصة بالنسبة لمسار المفاوضات الجارية بشأن الاتفاق المشار إليه، وإمكانيات تحقيق أهدافه لجهة تقويض الأهداف الأميركية من توقيعها؟

رفض إيراني واضح

على صعيد رصد الموقف الإيراني، يمكن القول إن الإشارات الصادرة من طهران لم تتح مجالا للبس في معارضتها الشديدة والواضحة لتوقيع مثل هذا الاتفاق. بل يشير البعض إلى أن موقف طهران تجاوز التصريحات إلى التحرك على أرض الواقع من أجل التحكم في مسار المفاوضات. على الصعيد المعلن جاء الموقف الإيراني على لسان مسؤول رفيع المستوى هو هاشمي رافسنجاني رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام الذي اعتبر أن الأميركيين يحاولون من خلال الاتفاق استبعاد العراقيين مؤكدا أن الأمة الإسلامية لن تسمح بمثل هذه الاتفاقية.

أما على الصعيد العملي فقد تحركت إيران بما يمكن اعتباره حملة دعائية مناهضة للاتفاقية لا يمكن فصل التداعيات الداخلية التي تجري في العراق حاليا عن تأثيراتها، وهنا لا يمكن إنكار أن أحد أسباب اشتعال الأوضاع في العراق لجهة رفض مشروع الاتفاقية إنما يعكس التأثير الإيراني، وهو أمر قد يكون طبيعيا في ضوء طبيعة التحالفات التي تسمح لطهران بلعب دور كبير على صعيد ما يجري داخل العراق.

ومن بين أصوات الرفض الداخلي يبرز بشكل كبير صوت الزعيم الشيعي مقتدى الصدر الذي دعا أنصاره إلى الخروج في مظاهرات عقب صلاة الجمعة من كل أسبوع احتجاجا على الاتفاقية، وهى المظاهرات التي عكست موقفا شعبيا رافضا للاتفاقية.

مساعٍ للطمأنة

تجلى تأثير الموقف الإيراني على الصعيد الآني فيما يتعلق بتطورات المفاوضات بشأن الاتفاقية المزمع توقيعها في مظهرين:

الأول: هو محاولات طمأنة أميركية ـ وليس تراجعا ـ تستهدف تهدئة المخاوف المثارة سواء من القوى السياسية العراقية أو إيران. انعكس ذلك في تصريحات مسؤولي السفارة الأميركية في بغداد بما في ذلك السفير كروكر التي تؤكد عدم سعي واشنطن إلى إقامة قواعد عسكرية دائمة أو استخدام الأراضي العراقية للاعتداء على دول الجوار، والأهم تأكيد هذه التصريحات على أن المفاوضات ما زالت جارية، وهو ما يعني أنه لم يتم حسم شيء على أرض الواقع.

الثاني: رسالة طمأنة عراقية ممثلة في زيارة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي لطهران. ويبدو توقيت الزيارة هنا بالغ الأهمية في ضوء أنها جاءت وسط احتدام الجدل حول الاتفاقية وتصعيد طهران لهجتها بشأنها، وفي الوقت ذاته أنها جاءت بعد يومين من اتهام السفير الأميركي كروكر لطهران بمساعي عرقلة الاتفاقية. وفيما يشير إلى إدراك القيادة العراقية لطبيعة المخاوف الإيرانية كان حرص المالكي التأكيد على جدية بلاده في عدم السماح باستخدام أراضيه وأجوائه لأي عمليات عسكرية ضد أي من جيرانه بشكل عام وضد إيران بشكل خاص.

يعكس هذان المظهران ما يمكن اعتباره مكاسب مباشرة لطهران على صعيد رفضها للاتفاقية الأمنية، أو ما يمكن توصيفه بكسب الجولة الأولى من الصراع على الاتفاقية، غير أن القضية الأهم تتمثل في التساؤل حول إمكانية استمرارية نجاح الموقف الإيراني وصولا إلى تحقيق هدفه النهائي وهو تقويض الاتفاقية، وإفشال المساعي الأميركية لإحكام قبضة الولايات المتحدة على مقدرات العراق؟

هنا تثور العديد من الشكوك، في إمكانية نجاح طهران على نحو كامل في ضوء قراءة معطيات تطورات مواقف الأطراف المختلفة: الولايات المتحدة، العراق بتفاعلاته الداخلية، وإيران. ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى ثلاثة سيناريوهات محتملة بنسبة متفاوتة بشأن صياغة مستقبل العلاقة الخاصة بالوجود الأميركي في العراق على ضوء انتهاء التفويض الممنوح لها من الأمم المتحدة بحلول نهاية ديسمبر المقبل.

سيناريوهات المستقبل

السيناريو الأول: هو توقيع العراق اتفاق أمني مع إيران يضمن عدم تحول الأولى إلى مصدر تهديد للأخيرة. وهناك في هذا الصدد إشارات عراقية متضاربة، لا تشير إلى موقف محدد، وهو سيناريو تبدو احتمالات حدوثه ضعيفة، في ضوء أن الاشتباك الأساسي ليس بين طهران وبغداد وإنما بينها وبين واشنطن، على النحو الذي يجعل البعض يصف العراق بأنه ليس سوى ساحة لتصفية الحسابات بين الولايات المتحدة وإيران، وكذا في ضوء أن ذلك قد يغل يد الأميركيين في القيام بعمل ضد إيران.

السيناريو الثاني: التمديد لقوات التحالف في العراق ومن ضمنها القوات الأميركية إذا فشل التوصل إلى اتفاق أميركي عراقي، وهو سيناريو قد تبدي الإدارة الأميركية رفضا له في ضوء أنه لا يحقق أهدافها الماثلة في أن تبدو بمظهر المنتصر، حيث يوحي بأن الأوضاع في العراق لم تتحرك قدما إلى الأمام بالشكل الكافي، ما قد يمثل إدانة لإدارة بوش التي سترحل قريبا.

السيناريو الثالث: توقيع الاتفاقية بصياغات مطاطية تحد من سقف الطموحات الأميركية وتمثل استجابة جزئية للتحفظات التي يبديها المعارضون لها مع احتمال تضمينها بملاحق سرية تقوض بشكل أو بآخر هذه الاستجابة. ويبقى هذا هو السيناريو الأكثر احتمالا في ضوء حقيقة أن الوجود الأميركي في العراق إنما يخدم الإستراتيجية الأميركية على مختلف المستويات، ويمثل جوهر الهدف الذي قامت عليه عملية غزو العراق ، ومن الصعب التخلي عنه في آخر مراحله. ويعني هذا السيناريو حال تحققه أن العراق سيظل ساحة مواجهة أميركية إيرانية، تتحدد أشكالها بناء على طبيعة الإدارة التي ستتولى أمور البيت الأبيض العام المقبل.

إضاءة

هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة بنسبة متفاوتة بشأن صياغة مستقبل العلاقة الخاصة بالوجود الأميركي في العراق على ضوء انتهاء التفويض الممنوح من الأمم المتحدة بحلول نهاية ديسمبر المقبل، ما يجعل من وجود القوات الأميركية غير شرعي حال عدم التوصل إلى اتفاق.

مصطفى عبد الرازق