مع بداية الستينات وفي منطقة الشندغة ببر دبي ولد خالد سليطين، وبعد فترة وجيزة من مولده انتقلت أسرته إلى ديرة لتستقر في منطقة فريج المرر، هناك تفتحت عيناه وسط أجواء اجتماعية بسيطة في المعيشة لكنها كانت مفعمة بالعلاقات الحميمة بين أبناء الفريج بحكم الجيرة وصلات القرابة، يقول: كانت الحياة في تلك الفترة لها خصوصيتها من حيث التكافل الاجتماعي ومراعاة مشاعر الجار واحترام الآخر، كان الجميع يشارك في الأفراح والأتراح بقلب رجل واحد.
وكانت تربية الصغار ليست حكرا على الأبوين فقط، وإنما كانت مهمة يقوم بها كبار الفريج بردع المخطئين وزجرهم في الحال إذا رأوا منهم سلوكا خارجا عن العادات والتقاليد، وكان العقاب يصل إلى حد الضرب، والطريف أن والد المخطئ كان يشكر جاره على هذا التأديب لابنه، وكنا نحن الصغار نعتبر كل البيوت بيوتنا ندخلها ونلعب فيها مع اقراننا، أما في الأمور المعيشية فقد كان إهداء أطباق الطعام تقليدا يوميا بين الجيرة كنوع من المشاركة والتراحم. والدي رجل أعمال من يومه وفي وقت كانت فيه دبي تمثل نقطة التقاء للتجارة بين الهند ودول الخليج، والدي بدأ بتجارة المواشي، وبعد ذلك استأجر مزرعة نخيل في السعودية وتاجر في التمور، إضافة لعمله في سوق العقارات، كان بدويا لا يهتم بالشأن التعليمي، ولذلك لم يتابع مراحل تعليمي بصورة جدية، ورغم أن ترتيبي الخامس بين إخوتي، إلا أنني حصلت على النصيب الأكبر من التدليل، ولم يكن يرد لي طلبا مهما كان.
بل كان يحرص على اصطحابنا معه ونحن صغار في رحلاته التجارية إلى أصفهان بإيران، لكنني في نفس الوقت أعترف بأنه كان حازما في تربيتنا على الأصول والصدق والإخلاص في العمل، وقد أخذت منه الصفة الأخيرة وعملت بها ومازلت حتى الآن أعطي لعملي وقتا ومجهودا أكثر مما هو مطلوب، وكان أيضا يحرص على صلاة الفجر في المسجد ويأخذني عنوة معه.مارست الألعاب الشعبية مع أقراني بين أزقة الفريج وبيوت السعف التي كانت تمثل النسبة الأكبر بين البيوت ، ومن الألعاب الشعبية التي مارستها لعبة (عظيم لواح) والتيلة وسباق المراكب التي كنا نصنعها بأنفسنا، وكانت السباحة وبناء بيوت من الرمال على الشاطئ لعبتين نقضي فيهما جل أوقاتنا، لكننا سريعا ما تحولنا إلى كرة القدم في فترة لاحقة، وبدأت ممارستها في الساحات الرملية .
كنت ألعب كحارس مرمى في البداية، لكنني تحولت بعد ذلك إلى مركز الوسط المهاجم، أما الدراسة فمشوارها معي قصير، التحقت بمدرسة عمر بن الخطاب الابتدائية وكان يدرس معي جمال المري، ومحمد وأحمد الختال وجمعة محمد النابودة، وهؤلاء كانوا أصدقائي في الفريج وزملائي في الدراسة وقضيت معهم أجمل سنوات الطفولة.مع افتتاح الأندية الرياضية في دبي كنت على موعد مع تغير في مسار حياتي ودخولي مجال ممارسة الرياضة بشكل فعلي، كان نادي الشباب هو الأقرب لنا، وكان هناك رجل يمني اسمه إبراهيم الرباطي يجمع الأولاد الذين يمارسون الرياضة في الفريج ويأخذهم لنادي الشباب، وعن طريقه دخلت النادي وانضممت لفريق الطائرة على غير المتوقع، فقد وجدوا لدي إمكانيات في كرة الطائرة أكثر.
وأذكر أن أحمد الشيخ كان يلعب معي في نفس الفريق، بعد ذلك انتقلت لفريق تنس الطاولة بالنادي مع محمد ثاني بن جمعة وسلمان الطويلة وشكلنا فريقا ثلاثيا ومثلنا النادي وحققنا بطولات في فترة السبعينات، كان منافسنا القوي في تلك الفترة فريق التنس بنادي الوصل، كانوا يتدربون بصورة أفضل ولديهم إمكانات مادية ويصرفون على اللعبة بسخاء ويقيمون معسكراتهم بالإسكندرية في مصر، أما لاعبوهم فكانوا متعبين لنا خصوصا عمر بالخير شقيق المطرب عبد الله بالخير، ولاعب آخر كان اسمه وليد.
في خضم انشغالي بالرياضة وتفوقي فيها تركت الدراسة والتحقت بمدرسة راشد العسكرية، وطلبوا مني أن أمثل المدرسة والمنطقة العسكرية في البطولات الرياضية، والحق أنني وجدت هناك الدعم المادي الجيد فقد كانوا يعطونني ثلاثة آلاف درهم عن كل فوز أحققه، وقتها اشتريت أول سيارة وكانت أميركية فاخرة، كان عمري وقتها 15 سنة ولم تكن لدي رخصة قيادة ومع ذلك كنت أقودها إلى أن استخرجت رخصة قيادة فيما بعد .
كنت منتشيا بامتلاكي سيارة من هذا النوع لأن الكبار فقط هم الذين كانوا يشترون مثلها، طوال هذه الفترة لم أبتعد عن مزاولة كرة القدم ، وقد مثلت فريق مدرسة راشد في دوريات المنطقة العسكرية وكنت هداف الفريق، وللأسف كنت مدخنا وعندما عرف مدربي عنفني بشدة ولم يضعني ضمن التشكيلة في مباراة مع فريق الدروع، كنا خاسرين بهدف فأضطر المدرب لإشراكي وسجلت التعادل ثم فزنا بالمباراة.
في عام 1978 تركت مدرسة راشد والتحقت للعمل موظفا في هيئة البريد كرئيس كتبة ثم ناظر بريد، إلى جانب الأعمال الحرة حتى عام 1993، بعدها تفرغت للعمل الحر وافتتحت مكتبا للصيانة ثم شركة مقاولات، غير أن الأمور لم تسر بالشكل المطلوب فصفيت أعمالي وعدت للعمل، وهذه المرة في دائرة الصرف الصحي ببلدية دبي عام 2001، كنت نشيطا في عملي وتم تكريمي أربع مرات، وفي حفل آخر تكريم لي عرض علي حمدان الشاعر مدير إدارة البيئة ببلدية دبي أن أعمل معه، وبالفعل انتقلت للعمل في شعبة البيئة البحرية ومازلت أمارس عملي فيها حتى الآن .
وعندما أعود بالذاكرة إلى أيام الشباب وأقارنها بالآن أجد نفسي تغيرت تسعين درجة بحكم الخبرات والتجارب التي مررت بها، وبقت نصائح والدي بالإخلاص في عملنا ملازمة لي علي طول الخط، فأنا الآن أمكث في مكان عملي أكثر من بيتي، خصوصا وأن مجال عملنا مرتبط بالميدان أكثر من العمل المكتبي، كما أنني أدون ملاحظاتي وأرفعها في تقارير إذا وجدت وضعا مخالفا يخص أية شعبة آخرى في مجال البيئة، وللأسف هناك من يتأفف من إبداء الملاحظات على عمله ولا يتورع في أن يغتابك بما ليس فيك، لكنني أصر على تغليب المصلحة العامة على أن أغض النظر عن التجاوزات مهما كانت.
تزوجت في عام 1981 وكان زواجا تقليديا، خصوصا وكما أسلفت أن والدي بدوي وله رأيه في هذا الشأن، لدي سبعة أبناء، هم حصة واليازية ومحمد وراشد وسالم وعبد الله ومروان، وقد ربيتهم على الصدق والأمانة وحب العمل، ومن المؤكد أنني أعاملهم بطريقة مختلفة عن معاملة والدي لي لأن الزمن تغير تماما، فأنا أصادقهم وأقربهم مني وأسمع آراءهم ولا أفرض عليهم شيئا.
وعلى وجه الخصوص في الأمور الدراسية، لكنني في بعض الأحيان أقسو عليهم وأزجرهم إذا خرج أحدهم عن الحدود، والحق أنهم أبناء ملتزمون ويعرفون مصلحتهم، محمد يعمل في القيادة العامة لشرطة دبي، وراشد في هندسة الطرق ، أما سالم فما زال يدرس في المرحلة الثانوية، وجميعهم لهم هوايات مختلفة وليس من بينهم رياضي مثلي إلا محمد الذي يهوى كرة القدم وأشجعه على ممارستها.
يقول عبد الله الوداعي: صداقتي لخالد قديمة جدا وتعود لبداية السبعينات أيام كنا نسكن في منطقة فريج المرر، صحيح أنني انتقلت للعيش في أبوظبي، لكن صداقتنا بقيت مستمرة وفوجئت عند عودتي بانضمامه لنادي الشباب، كان يحب الرياضة .
لكن موضوع الممارسة بشكل جدي لم أتوقعه منه، والحق أن خالد رجل مفاجآت على جميع الأصعدة، فهو يعرف كل شيء، كنا في فترة الشباب نخرج في رحلات برية وكان بمثابة العمدة علينا، ينسق ويشارك في إعداد الطعام وهو بالمناسبة طباخ جيد، أما على المستوى الإنساني، فهو متواصل مع أصدقائه، كما أنه يواظب على صلة رحمه، وخالد رجل محب لوطنه ولا يعرف المحاباة أو المجاملة في عمله.
ويقول بدر سعيد: أعرف خالد من أيام الطفولة، فنحن أبناء منطقة واحدة ومازالت صداقتنا مستمرة حتى الآن، والفضل في ذلك للتربية ومحبة خالد لأصدقائه ووفائه للعشرة، وهو بطبعه إنسان اجتماعي دائم السؤال عن رفقاء دربه وجيرانه القدامى، كما أنه غيور على وطنه ويتجلى ذلك في اهتمامه بعمله والتفاني فيه، وهو ناجح في هذا المجال وكثيرا ما يجر عليه نجاحه المتاعب من الآخرين، لكنني أقول له لا تبالي وسر على نفس النهج من أجل المصلحة الوطنية، فقدر الناجحين أن ينالوا قسطا من المحاربة.
عز الدين الأسواني



