منذ القدم والإنسان يحاول امتلاك قوى خارقة يعزز بها بقاءه وصراعة مع الطبيعة، لذا سعى لمحاولة احتواء الزمان والمكان، وعينه على تقوية قدراته العقلية والجسدية.
ومن أجل بلوغ هذا الطموح طبخ الإنسان هذا الهدف في خياله وعاشه كحلم، فكانت انطلاقة البساط السحري ومصباح علاء الدين في قصص ألف ليلة وليلة، حيث الإنسان يغطي ضعفه بالجني الذي يحقق له ما يحلم به. ومن اجل إرضاء غروره البشري كان الإنسان يحبس الجني في القمقم، ويستدعيه كلما عن له مزاج.
ومع مضي الزمن انتقل الطموح من أسر الحلم العاجز عن بلوغ الواقع، إلى مرحلة المغامرة، ومن ذلك ما فعله العالم العربي عباس بن فرناس، عندما حاول الطيران فمات خلال المحاولة.
وبمرور الوقت اكتشف الإنسان بعض قوانين الطبيعة، واستفاد منها في تطويع الظواهر. فمن الدورة الدموية التي اكتشفها العالم العربي الحسن بن الهيثم إلى كروية الأرض التي توصل إليها جاليليو، إلى قوانين الجاذبية التي كشفها نيوتن، بدأ الإنسان في الانتصار - بقوة العلم - على خرافاته.
وفي كل مرحلة من مراحل التطور العلمي كان الإنسان يأخذ من قوة الطبيعة ليضيف إلى قوته قوى جديدة، فمع اختراع التلغراف والهاتف والطائرة اختزل الإنسان المكان والزمان، ومع الأقمار الاصطناعية صارت الكرة الأرضية عارية أمام عينيه، وصار الفضاء تحت أنفه و يعتبر إنسان هذا الزمان أقوى من كل أسلافه، وإن كان البعض لا يعي ذلك، لأنه يستهلك الزمان والمكان ـ بحكم العادة ـ وليس بعقلية الحالم أو العالم.
لكن عدم الوعي لا يعني عدم الاستفادة من التقدم العلمي. فالعلم ارتقى بعقل الإنسان وفكره، كما ارتقى - إلى حد ما - بسلوكياته، فكل متعامل اليوم مع منتجات العلم الحديث لابد له من حد أدنى من معرفة تمكنه من التواصل مع هذه المنتجات، سواء كان ذلك مع الموبايل أو مع الكمبيوتر وبرمجياته أو مع الشبكة العنكبوتية. وتمثل تقنيات الكمبيوتر وبرمجياته عنوان القوة المعرفية المتجددة المشاعة بين الناس.
وسواء أراد الإنسان أم تهرب فان العلم يقوده مجبرا إلى الارتقاء. فمؤسسات العلم وسوق العمل، بل وفروض الإيمان، كلها تفرض عليه واقعا متجددا يوما بعد يوم.
واليوم يمكن القول أن الإنسان السوبر صار واقعا، ورأينا بعض إرهاصات لذلك. فقد استطاع اقتصادي واحد أن يضرب كل اقتصاديات النمور الأسيوية في أيام. واستطاع رجل واحد أن يؤلم الدولة الكبرى بضربة موجعة وهو جالس في تورا بورا، من خلال أذرع بشرية امتلكت القدرة العلمية على التخطيط والتنفيذ. فالممتلك لزمام العلم النوعي المتفوق يستطيع أن يقهر أي دولة، مهما بلغت من أسباب القوة والاستقواء.
والعالم مقبل غدا ـ رغما عنا ـ على ظاهرة الفرد الأقوى من الدولة. لأن العلم مثلما قوى الدول أضعفها، بكشف عوراتها أمام الأفراد. فالاعتماد على التقنية الحديثة وسع من مساحة المناطق الرخوة داخل الدول، بينما أعطى الفرد المقدرة على النفاذ إلى هذه المناطق. حتى أنه جعل من الفرد ـ أحيانا ـ أخا أكبر على الدولة، فانقطاع كابل للانترنت قد يشل دولة بكاملها ويعزلها عن العالم. وباستطاعة فيروس كمبيوتري واحد أن يقطع الطاقة أو الاتصالات، وغيرهما فتتوقف الحياة.
هذا التطور سوف يجبر الدول العاقلة على احترام حقوق الفرد فتكتسب التزامه واحترامه، ومن ثم تجعل من قوته قوة لها. أما الدول التي تتمسك بجمودها وتظل متشبثة باحتقار الفرد، فإنها تعري نفسها في الداخل وفي الخارج، ولن تحصد الا الغضب. ليخرج لها الجني من القمقم عبر أجهزة الموبايل أو من الشبكة العنكبوتية أو منهما معا، وعندئذ ستبحث عن البساط السحري ولن تجده.
والأخطر سيتعذر عليها عندئذ الهرب من مصيرها المنتظر، بالعيش مع طرزان زعيم القرود.
