إذا كان لبنان موبوءا بالطائفية.. فقد شاء قدره بحكم موقعه الجغرافي المتميز ومسؤولياته القومية تجاه أمته العربية، أن يظل هدفا للوباء الإسرائيلي الذي يدنس أرضه من حين لآخر. هذا الوباء ما أن يتخلص لبنان منه بفضل صموده ومقاومته الباسلة، حتى يعود من جديد ليحرم وطن الأرز من نعمة الأمن والاستقرار.
أشهر وأبشع أشكال الوباء أو العدوان الإسرائيلي، هو ذلك الاجتياح الإجرامي الذي تعرض له هذا البلد العربي في السادس من يونيو 1982 ، أي بعد 15 عاما بالتمام من عدوان يونيو 1967 الذي ابتلع كل فلسطين الغالية. كان لبنان الجريح يعيش وقتها ويلات حرب أهلية مر عليها في ذلك الحين ست سنوات.يفتك بأمنه صراعا طائفيا دمويا لا غالب فيه ولا مغلوب. وفي هذه الأجواء، جاء العدوان الإسرائيلي بأمر رئيس وزراء الدولة العبرية مناحيم بيجن وتابعه محترف المذابح على مر العصور اريل شارون الذي كان وقتها وزيرا للدفاع. في ذلك الوقت أعطى الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان الضوء الخضر لإسرائيل لتبدأ عدوانها. وقيل أنها أبلغت الأميركيين بأنها ستدخل الأراضي اللبنانية لمسافة لا تزيد على 30 كيلومترا لتحقيق أمنها.
ونقل عن شارون أن وزير الخارجية الأميركي الكسندر هيغ أبلغه أن الأميركيين يتفهمون هدف إسرائيل، وقال له« لا نستطيع أن نقول لكم لا تدافعوا عن أنفسكم».وقيل أيضا أن هيغ - الذي كان جنرالا - طلب من شارون أن يكون هناك ذريعة أو عملا ضد مصالح إسرائيل من جانب الفلسطينيين يدينه العالم. وبالفعل كان هذا العمل هو اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن شلومو أجروف على يد جماعة «أبو نضال».اجتاحت القوات الإسرائيلية الأراضي اللبنانية ب60 ألف جندي مدججين بالأسلحة الثقيلة، تحت ذريعة تأمين سلامة 63 مستوطنة ومدينة داخل الخط الأخضر في شمال فلسطين من هجمات المقاومة الصاروخية التي تنطلق من جنوب لبنان على منطقة الجليل الأعلى. وأطلق الإسرائيليون على عدوانهم اسم عملية «سلام الجليل». واحتلوا صور والنبطية وحاصبيا والشوف خلال 48 ساعة.
ووصلوا ضواحي بيروت في العاشر من يونيو، ثم احتلوا قصر بعبدا بعد ثلاثة أيام من دخولهم العاصمة. وما أن حل شهر يوليو حتى فرضت القوات الإسرائيلية حصارها المحكم على بيروت الغربية التي أمطرها الغزاه بوابل من النيران، بل وثبت أنهم استخدموا أسلحة محرمة دوليا، منها القنابل العنقودية والفوسفورية وقنابل النابالم. وكانت ذروة الجريمة الإسرائيلية، هي يوم الأول من أغسطس الذي سمي وقتها بالأحد الأسود. فعلى مدى 14 ساعة متواصلة سقطت 180 ألف قذيفة إسرائيلية راح ضحيتها ما يزيد على 800 شهيد وجريح. كما عاشت بيروت دون مياه أو كهرباء.
بعد أيام من الاجتياح اعترفت إسرائيل بان هدفها، هو إجبار القوات الأجنبية على الخروج من لبنان بما فيها القوات السورية، وتدمير منظمة التحرير الفلسطينية ، وتوقيع معاهدة سلام مع حكومة لبنانية تضمن من خلالها أمن المستوطنات الإسرائيلية . وتشير الأرقام نقلا عن منظمة اليونيسيف الى أن عدد الضحايا من المدنيين خلال الغزو الإسرائيلي عام 1982 على النحو التالي: 26506 بين قتيل وجريح من بينهم 11840 طفلا،868 امرأة، 1100 مقاتل، 2994 مصابا بحروق خطيرة سببتها القنابل الفسفورية.
وأسفر العدوان والحصار المفروض على بيروت، عن خروج منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة الشهيد ياسر عرفات من لبنان بعد أن ظل محاصرا مع قواته. وكان ذلك نتيجة للاتفاق الذي تم التوصل اليه في 19 أغسطس 1982 على يد المبعوث الأميركي فيليب حبيب الذي قضت خطته بانسحاب المقاتلين الفلسطينيين خارج لبنان تحت غطاء دولي (فرنسي-إيطالي-أميركي).
وقتها تعهدت الإدارة الأميركية بضمان أمن عائلات المقاتلين الفلسطينيين إذا ما غادروا إلى تونس، وأجبرت إسرائيل على إخراج المقاتلين تحت حماية دولية مكونة من 800 جندي من عناصر المارينز الأميركية، و800 جندي فرنسي و400 إيطالي. وبالفعل غادر أكثر من 14 ألف مقاتل فلسطيني بيروت إلى تونس تحت القصف الإسرائيلي، بالرغم من الحماية الدولية.
كانت هناك أحداث أخرى في سبتمبر من نفس العام.اذ اغتيل الرئيس اللبناني بشير الجميل في 14 سبتمبر هو و 25 من رجاله بتفجير ضخم استهدف مقره. في الوقت نفسه دخلت القوات الإسرائيلية من جديد بيروت الغربية وحاصرت مخيم صبرا وشاتيلا.
وبعد يومين - في 16 سبتمبر- وقعت مذبحة المخيم وكان ضحيتها 1300 شهيد. وتضاف الجريمة الى السجل الإجرامي الدموي لإسرائيل، وهذه المرة على يد محترف المذابح اريل شارون.
هذه ثمار العدوان الإسرائيلي الإجرامي الذي تابعه العالم في أوائل الثمانينات.وقتها ظهر غلاف مجلة تايم في 16 أغسطس 1982 حاملا عنوان «تدمير بيروت».
لقد كان الألم يعتصر قلب كل عربي وهو يري لأول مرة عاصمة عربية في قبضة القوات الإسرائيلية. ولم يكن باليد حيلة لردع إسرائيل. كان رد فعلنا هو أضعف الإيمان.. نغضب ونحتج ونصرخ ونتفرج دون حراك!
جرائم إسرائيلية بالجملة
لم يكن الغزو الإسرائيلي في يونيو 82 هو الأول أو الأخير الذي يتعرض له لبنان في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي. أشهر جرائم إسرائيل في لبنان قبل هذا الغزو أو بعده هي:
- في 28 ديسمبر 1968 - شنت قوة كوماندوز إسرائيلية هجوماً على مطار بيروت و دمرت 13 طائرة مدنية .
- في 14 مارس 1978، أقامت حزاما أمنيا في جنوب لبنان، أدانه مجلس الأمن، وتجاهلت إسرائيل الانسحاب حتى أجبرت عليه في 5 مايو عام 2000، تحت ضغط المقاومة اللبنانية.
- في أبريل 1996 مجزرة قانا وقتل 96 مدنيا وجرح 165 شخصا وتم تدمير 212 منزلا وأربع مدارس و118 محلا تجاريا.


