تثير قضايا وحوادث التجسس الإسرائيلي على الولايات المتحدة الأميركية جدلا وتساؤلات كثيرة في الأوساط السياسية والأمنية في البلدين وفي بلدان أخرى أيضا تهمها أو أحيانا تمسها هذه القضية بشكل مباشر أو غير مباشر، خاصة عندما تثار قضية العلاقات الوطيدة بين البلدين مع الثقة شبه المتناهية بينهما ووحدة الأهداف والإستراتيجيات.
وأيضا مكانة اللوبي اليهودي الصهيوني في دوائر صنع القرار الأميركية، الأمر الذي جعل بعض التفسيرات والتحليلات تذهب إلى عدم تصديق الظاهر من حوادث التجسس هذه وترى أن هناك أمورا وأسرارا أخرى خفية قد تتصل بجهات ودول أخرى وتدخل فيها عوامل المال والمصالح الخاصة.
آخر حوادث التجسس الإسرائيلي في الولايات المتحدة والتي أثارت زوبعة كبيرة حادثة الجاسوس بن عامي كاديش اليهودي الأميركي الذي كان يعمل في أحد مراكز الأبحاث العسكرية في إحدى منشآت القاعدة البحرية الحربية في مدينة دوفر بولاية نيو جيرسي في الفترة من عام 1963 و حتى عام 1990.
والذي جمع كما هائلا من المعلومات الهامة والسرية حول الأسلحة النووية الأميركية والطيران الحربي ونظام الدفاع الصاروخي المضاد للصواريخ وسلمها لأحد الدبلوماسيين في السفارة الإسرائيلية ليسلمها للموساد في إسرائيل، ولكن التحقيقات حول القضية لم تكشف حتى الآن عن اسم الدبلوماسي الإسرائيلي الذي كان يعمل معه بن عامي، الأمر الذي يثير علامات استفهام كثيرة.
كشفت التحقيقات مع بن عامي كاديش عن علاقاته بعميل الموساد الشهير الأميركي اليهودي جوناثان بولارد الذي كان يعمل في الثمانينات من القرن الماضي خبيرا في قسم التحليلات الإستراتيجية لاستطلاعات القوات البحرية الأميركية، والمحكوم عليه بالسجن مدى الحياة بعد محاكمته عام 1987، في القضية التي عنها أنها أخطر قضية جاسوسية إسرائيلية في الولايات المتحدة نظرا للكم الهائل من المعلومات التي قدمها بولارد للمخابرات الإسرائيلية.
وقد حاولت الحكومة الإسرائيلية مرارا أن تحصل من السلطات الأميركية على موافقة بنقل بولارد لسجن إسرائيلي يمضي فيه عقوبته، إلا أن السلطات الأميركية رفضت رغم كل الضغوط والوساطات وصممت على بقائه في السجن الأميركي بعد أن أصبح الحكم عليه نهائيا لا يقبل الطعن.
تشابه مع قضية بولارد
عامي بن كاديش قضيته مشابهة لقضية بولارد من حيث زرعه في نفس المكان الذي كان يعمل فيه بولارد، كما تحيط الجهات الأميركية قضية بن كاديش بسرية تامة لدرجة أنه حتى الآن غير معروف متى تم القبض عليه، وهذا يعني أن السلطات الإسرائيلية لم تعرف بأمر القبض على بن عامي في حينه وربما لم تعرف إلا بعد أيام أو أشهر وربما سنوات، الأمر الذي يثير التساؤلات حول رفض المخابرات وأجهزة التحقيق الأميركية الاستعانة إعلام الموساد بالقضية في حينها، مما يحتمل معه وجود أسرار في القضية لا تريد واشنطن أن يعرفها أحد، ومازال الغموض الشديد يحيط بهذه القضية حتى الآن.
ولم يصدر أي تصريح من أية جهة رسمية في الولايات المتحدة تدين إسرائيل أو تتهمها بالتجسس على الولايات المتحدة، رغم أن العديد من الصحف ووسائل الإعلام الأميركية والكتاب والمحللين الأميركيين تساءلوا عن السر وراء صمت الجهات الأميركية عن إدانة إسرائيل واتهامها بالتجسس والتلاعب بالمصالح الأمنية القومية الأميركية.
السؤال الهام هو، ماذا تريد إسرائيل من وراء التجسس على حليفها الأكبر؟
البعض يرى أن إسرائيل تبحث عن مصالحها الخاصة والمستقبلية وتخشى أن يأتي اليوم الذي يتخلى عنها حليفها الأميركي، والبعض الآخر يرى أن إغراءات المال هي التي تدفع هؤلاء اليهود الأميركيين للتجسس على وطنهم أميركا لحساب وطنهم الديني إسرائيل، ولكن هذا الإغراء المادي طرح آراء أخرى غريبة لكنها لا تخلو من المنطقية.
الموساد.. مخترق
يرى البعض أن جهاز الموساد الإسرائيلي نفسه مخترق من جهات أجنبية كثيرة بحكم أن المجتمع الإسرائيلي مجتمع مهجر لليهود من مختلف بلدان العالم وكثيرين منهم ليسوا يهودا ويدعون أنهم يهود، وكثير من هؤلاء ينتمون لدول على عداء أو خصومات مع الولايات المتحدة الأميركية مثل الاتحاد السوفييتي السابق الذي بدأت الهجرة منه لإسرائيل منذ أكثر من أربعة عقود مضت.
وليس من المستبعد أن يكون هناك الكثير من هؤلاء المهاجرين السوفييت عملاء لجهاز المخابرات السوفييتية السابق تم تهجيرهم عمدا لإسرائيل لزرعهم هناك للعمل لحساب جهاز«كي جي بي» ومن الممكن أن يكون بعضهم قد وصل لمناصب عليا في أجهزة الأمن والاستخبارات الإسرائيلية ولم تكتشف حقيقته بعد، وأمثال هؤلاء لا يستطيعون الانفصال عن المخابرات السوفييتية ومن بعدها الروسية حتى لا ينكشف أمرهم.
و يستند أصحاب هذا الرأي في تفسيرهم هذا إلى السرية الشديدة التي تحيط بالتحقيقات في حوادث التجسس الإسرائيلي على الولايات المتحدة، وأن هذه الحوادث مهما بلغت فداحة خسائرها وتبعاتها لا تؤثر إطلاقا على العلاقات الأميركية - الإسرائيلية ولا يصدر عنها أي إدانة أو توبيخ من أية جهة رسمية أميركية لإسرائيل.
رأي آخر قريب من الرأي السابق يرى أن الجواسيس اليهود الأميركيين ربما لا يعملون لحساب الموساد ولا لحساب إسرائيل، بل يعملون بشكل مباشر لحساب جهات أخرى مقابل المال، ويفسر هذا الرأي أيضا عدم توجيه أية إدانة أو توبيخ أو تحذير من أية جهة أميركية لإسرائيل.
تفسير آخر يرى أن الموساد فعلا يتجسس على المجالات الحيوية في العسكرية الأميركية بهدف التمهيد لفرض نفوذه على هذه المجالات و توصيل شخصيات تابعة للوبي اليهودي الصهيوني لمناصب حيوية في هذه المجالات تستطيع إسرائيل من خلالهم توجيه السياسة الأميركية كيفما تشاء.
أيا كانت التفسيرات والآراء فإن التجسس الإسرائيلي واليهودي على الولايات المتحدة يظل لغزا محاطا بالغموض في ظل السرية الشديدة للتحقيق في حوادثه وفي ظل الصمت الأميركي عن توجيه أية إدانة أو حتى توبيخ لإسرائيل ولجهاز الموساد عن هذه الاختراقات.
دبي ـ «البيان»
