بات واضحاً أن الصعود السريع الذي حققته روسيا خلال الأعوام القليلة الماضية شكل مصدر قلق كبير لواشنطن، وقد انعكس هذا القلق بشكل واضح في توجهات السياسة الخارجية الأميركية التي دأبت في العامين الماضيين على انتقاد السياستين الداخلية والخارجية لروسيا بشكل علني بهدف الحط من شأنها وتشويه سمعتها وتخويف الآخرين من التعامل معها.

واستخدمت واشنطن في ذلك وسائل عدة وأيضا جهات عدة منها دول صغيرة من بلدان المعسكر الاشتراكي السابق التي هرولت نحو الغرب طمعا في الوعود الأميركية بالرخاء والرفاهية والحرية. وفي الوقت الذي نأت فيه دول أوروبية كبيرة بنفسها عن هذه اللعبة الأميركية وسعت لكسب ود وتعاون روسيا، نجد دولا صغيرة مثل بولندا وتشيكيا وجمهوريات البلطيق الثلاثة (لاتفيا وليتوانيا وأستونيا) يهرولون نحو واشنطن ويغرقون في أوحال السياسة الأميركية ضد روسيا ويروجون بشدة الشائعات المضادة للسياسة الروسية، على الرغم من أن لهم مصالح اقتصادية مع روسيا، وأيضا مصالح أمنية بحكم موقعهم الجغرافي على حدودها. ضغوط وسلاح في عام 2006 تم وضع استراتيجية السياسة الخارجية الأميركية حتى عام 2012، هذه الاستراتيجية التي جاء على رأس بنودها «زيادة حدة الانتقادات الأميركية لروسيا في عدة مجالات منها، زيادة المركزية القوية للسلطة الحاكمة في الكرملين.

وقمع الحريات ومؤسسات المجتمع المدني، وسيطرة الدولة الكاملة على الاقتصاد، وتكريس السياسة الداخلية في اتجاه كل ما يقوى ويدعم أمن النظام وقوته ويروج لاستعراض القوة الروسية على الساحة الدولية». كما ركزت بنود الاستراتيجية الأميركية على الترويج لما تعتبره واشنطن سلبيات السياسة الخارجية الروسية، مثل الضغوط التي تمارسها روسيا على جيرانها من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، ودعمها للأقاليم المنفصلة عن جمهوريات مثل جورجيا ومولدافيا.وقد عبر وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس عن القلق الأميركي من النهوض الروسي المتسارع حيث صرح أمام الكونجرس بأن «دولا مثل روسيا والصين لا يقلان خطرا وتهديدا على أمن الولايات المتحدة من الإرهاب الدولي»، ونادى غيتس صراحة بضرورة الاستعداد العسكري الكامل لمواجهة روسيا والصين ودول أخرى مثل إيران وكوريا الشمالية. كما صرح مدير المخابرات الأميركية مايك ماكونيل أمام الكونجرس كذلك بأن الإدارة المكلفة في المخابرات المركزية بدول مثل إيران وفنزويلا والعراق وكوبا سوف تولي اهتماما كبيرا لروسيا باعتبارها لا تقل خطورة عنهم.

وقد جاء قرار الرئيس الروسي السابق بوتين بتعليق روسيا مشاركتها في معاهدة الحد من الأسلحة التقليدية في أوروبا ليشكل صدمة قوية لواشنطن ولحلف شمال الأطلسي ولعدة دول أوروبية باعتبار أن الجميع يرى أن هذه المعاهدة هي حجر الأساس في منظومة الأمن الأوروبية التي لا يمكن أن تقوم بدون مشاركة روسيا فيها، وانهالت الانتقادات لموسكو من الغرب بسبب هذا القرار.

ولم يخجل الأوروبيون وواشنطن من أنهم جميعا حتى الآن لم يصادقوا على هذه المعاهدة التي مضى عليها أكثر من عشرة أعوام ولم يصادق عليها سوى روسيا وبيلاروسيا وأوكرانيا، وهي المعاهدة التي تلزم روسيا بعدم وضع أية أسلحة تقليدية لها على الجزء الأوروبي من أراضيها، هذا في الوقت الذي يرون فيه نشر منظومة الدفاع الصاروخي الأميركي وزرع قواعد حلف الناتو بالقرب من الحدود الروسية عملا عاديا وديمقراطيا.

تشويه السمعة

منذ اتخاذ روسيا قرارها بتعليق المشاركة في المعاهدة المذكورة والقلق والصيحات في أوروبا لم تتوقف. الجميع يطالب روسيا بالعدول عن قرارها بل ويتوسلون في طلبهم، وكأن روسيا هي مصدر الخطر على الأمن الأوروبي، وفي الوقت ذاته لا يتوقفون عن حملاتهم الهجومية والتشهير بسمعة روسيا.

حيث اتهمت بريطانيا موسكو بتدبير عمليات اغتيال لشخصيات روسية مقيمة في لندن مثل عميل المخابرات الروسية السابق ليتفينينكو الذي مات في مستشفى في لندن بالتسمم واتهموا موسكو بقتله رغم أنه كان مريضا بالسرطان وكان على وشك الموت، كما راحت بولندا تشن هجوما تشهيريا على روسيا وتطالب واشنطن بدعمها في هجومها لأن روسيا حظرت استيراد اللحوم البولندية لأنها غير مطابقة للمواصفات الصحية.

ديمقراطية كاذبة

رئيس أستونيا توماس إيلفس الذي تربى في الولايات المتحدة لا يكف عن توجيه الانتقادات لروسيا بمناسبة وبدون مناسبة، وقد صرح للتلفزيون الألماني مؤخرا قائلا «أعتقد أن سياسة روسيا الآن تشبه إلى حد كبير سياسة الاتحاد السوفييتي في استعراض القوة والتلويح بها».

وفي الوقت ذاته يصمت الرئيس الأستوني وحكومته عن أساليب القمع التي واجه بها الأمن الأستوني مظاهرات المواطنين الأستون من أصل روسي التي تجمعت لتحمي النصب التذكاري للانتصار على الفاشية في الحرب العالمية وأدى القمع الأمني للمظاهرات لسقوط العديد من الضحايا والجرحى في بلد يدعي الديمقراطية، ولم تتحرك واشنطن التي نسمعها تصيح عند قمع أية مظاهرات في أي مكان في العالم.

أما رئيس وزراء ليتوانيا جيرمناس كيركيلاس فقد بدأ حملته على روسيا بعد أن صرح نائب رئيس الوزراء الروسي سيرجي إيفانوف بأن روسيا ستنشر صواريخها على أراضي إقليم كليننجراد المتاخم للحدود مع ليتوانيا في حالة نشر أنظمة الدفاع الصاروخي الأميركي على أراضي بولندا وتشيكيا.

وطالب كيركيلاس بجعل مقاطعة كليننجراد الروسية منطقة منزوعة السلاح، أي أنهم يدعون السلاح الأميركي وحلف الناتو لأراضيهم ويريدون في الوقت ذاته أن ينزعوا الأراضي الروسية من السلاح.

كما تشن جمهوريات البلطيق الثلاث بإيعاز من واشنطن حملة قوية لرفض خط أنابيب الغاز الروسي الأوروبي الذي سيمر ببحر البلطيق مدعين أنه يلوث البيئة، وقد وقف وزير خارجية ألمانيا يدافع عن خط الغاز قائلا «إنه ليس خطا روسيا ألمانيا، بل خطا روسيا أوروبيا، وسيضمن أمن الطاقة في أوروبا».

كل هذه الحملات إلى جانب ما يحدث الآن في جورجيا وأبخازيا يتم بتخطيط أميركي تستخدم فيه واشنطن، التي لا تجرؤ على مواجهة روسيا، الدول الصغيرة، بينما الدول الأوروبية الكبيرة ترفض تماما تصعيد الأزمات مع روسيا وتؤكد أنه لا أمن في أوروبا بدون مشاركة روسيا، وخاصة ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وأسبانيا، وتسعى هذه الدول بجدية للتعاون مع روسيا ولا تصغى للحملات التشويهية الأميركية.

كل هذه الأمور لن تفلح في تخويف روسيا وتراجعها عن سياساتها التنموية، وكما قال لهم الرئيس السابق بوتين في مؤتمر ميونيخ في فبراير من العام الماضي «على الجميع أن يفهم أن روسيا الآن ليست الدولة التي يمكن أن تفرض عليها شروط أو تمارس معها الضغوط، ومن يفعل ذلك سيكون هو الخاسر وسيندم كثيرا وقت لا ينفع الندم».

إضاءة

جاء قرار الرئيس الروسي السابق بوتين بتعليق روسيا مشاركتها في معاهدة الحد من الأسلحة التقليدية في أوروبا ليشكل صدمة قوية لواشنطن ولحلف شمال الأطلسي باعتبار أن الجميع يرى أن المعاهدة حجر الأساس في منظومة الأمن الأوروبية .

د. مغازي البدراوي