كتب إيهود أولمرت رئيس وزراء إسرائيل «الفاسد»، شهادة وفاته السياسية ـ بنفسه ـ مرتين. ومع ذلك يأبى أن يصدر ضده تصريح بالدفن!

في المرة الأولى.. سقط في مستنقع لبنان، عندما أخذته الشهامة وراح يصدر أوامره باجتياح الجنوب في صيف 2006 الملتهب. وظن أن قواته في نزهة، فإذا بالمقاومة اللبنانية تلقنها درسا قاسيا مازال يتألم منه.

وأصدرت لجنة فينوغراد الإسرائيلية قراراتها وتوصياتها التي كانت تحتم على أولمرت بان يرحل، ولكنه تجبر وتكبر، ورضي الإسرائيليون ببقائه وستروا عورته السياسية حتى لا يتشفى فيه الأبطال أبناء أرض الأرز الذين كشفوا خيبة القوة العسكرية الإسرائيلية المدججة بأحدث الأسلحة والتي عجزت عن ردع المقاومة اللبنانية.

وهاهي المرة الثانية التي نعيش فصولها الآن.. إذ سقط أولمرت في وحل الفساد والفضائح التي لم يسلم منها العشرات من قادة إسرائيل، سواء كانت فضائح مالية أو سياسية أو حتى جنسية. هذه المرة أصدر الرأي العام الإسرائيلي ـ وليست لجان التحقيق ـ تصريحا بدفنه سياسيا بعد أن فاحت رائحة أفعاله المقززة. فقد طالب 70 % من الإسرائيليين ـ طبقاً لاستطلاع نشرته صحيفة «إسرائيل هيوم» باستقالته.

فصول الفضيحة تمتد إلى 15 عاماً متواصلة. فقد أكد رجل الأعمال اليهودي الأميركي موريس تالنسكي في شهادته أمام المحكمة في القدس، أنه قدم لأولمرت 150 ألف دولار على شكل هبات ودفعات مالية مباشرة وقروض على مدى 14 إلى 15 سنة، أي عندما كان رئيساً لبلدية القدس، وأثناء شغله منصب وزير الصناعة والتجارة والعمل.

وقال تالنسكي الذي يعيش أصلا في لونغ آيلاند بنيويورك، إن أولمرت، طلب منه قرضا بمبلغ 25 ألف دولار لتمويل أجازة قضاها مع عائلته في إيطاليا في عام 2004، كما حول أموالا أخرى إليه لتمويل نفقات بعض الزيارات التي قام بها للولايات المتحدة. ويقول أيضاً: «إن أولمرت يحب السيجار الفاخر ويحب الأقلام والساعات..

ولقد وجدت ذلك غريباً، وأثناء إحدى الزيارات لفندق في واشنطن طلب مني أن يتسلم فاتورة تزيد قيمتها على 4700 دولار نظير الإقامة لمدة ثلاثة أيام «المثير أن تالنسكي، سأل أولمرت ذات مرة لماذا لا أكتب له شيكا فقال إن ذلك يرجع إلى طريقة توجيه الأموال، «ولذلك أعطيته الأموال نقداً من أموالي الخاصة، كنت أصرف شيكات المساهمات وأعطيه نقداً»! وأنكر أن يكون لديه أية مصالح مالية في إسرائيل، قائلا إنه يمتلك شقة فقط هناك.

هذه شهادة تالنسكي عن تطفل أولمرت عليه. ولعل أسخف سؤال وجه إليه في المحكمة، وأثار الضحك والسخرية، هو «هل حصلت على إيصالات من أولمرت؟!»، فكانت إجابته بالطبع «لا».

ثم أوجز رأيه في أولمرت مشيداً به، إذ قال «انه رجل يمكن أن يحقق الكثير لإسرائيل وانه يستحق تأييده، ولم يكن أولمرت هو الوحيد الذي ذهب إلى أميركا ليطلب المال من أجل حملته الانتخابية، ولذلك ظننت أن الأمر شرعي».أولمرت من جانبه، قال إنه استخدم أموال تالنسكي في تمويل الحملات الانتخابية.

أقسى ما تعرض له أولمرت سياسيا بسبب الفضيحة، هو التحذيرات التي وجهها إليه شريكه في الحكومة إيهود باراك وزير الدفاع، إذ خيره بين الذهاب في إجازة أو الاستقالة.

وقال انه ما لم يفعل ذلك فسيدعو إلى انتخابات مبكرة. ويطالب بان يتحرك حزب كاديما الذي يتزعمه أولمرت لإيجاد بديل له، وإلا فحزب العمل الذي ينتمي إليه باراك سيتحرك بفك التفاهم مع كاديما واخذ البلاد إلى انتخابات مبكرة.

المثير، أن باراك نفسه ليس نظيفا. فقد سبق وخضع للتحقيق بتهم تتعلق بكيفية تمويل حملته لرئاسة الحكومة التي انتهت بفوزه عام 1999، كما اتهم عام 2001 بتقاضي رشوة والتحايل على القانون.. وهذا هو حال معظم حكام الدولة العبرية!

إضاءة

كان أولمرت صحافيا، دخل الجيش عام 1963، ثم تأجلت خدمته بسبب إصابات في قدمه ويده، وأكمل الخدمة عام 1971 كمراسل عسكريّ. في عام 1973 تمّ انتخابه عضوا للكنيست. وتدرج في المناصب السياسية. بدءا من عام 1988 كان وزير دولة. في 1993 انتخب رئيسا لبلدية القدس.

وبعد إعادة انتخابه للكنيست عام 2003 استقال كرئيس بلدية. وفي عام 2006 لدى إعلان رئيس الحكومة أرييل شارون عن إقامة حزب كاديما اعتزل أولمرت عن حزب الليكود ووقف إلى جانب أرييل شارون تجاه حملة الانتخابات.

حسن صابر