يثير انطلاق مسار المفاوضات السورية الإسرائيلية العديد من التساؤلات حول أبعاد التحولات الإقليمية الجارية في المنطقة في ضوء الحقيقة الماثلة في أنه تم دفعها بناء على وساطة تركية وليس عربية أو أميركية.

من بين التساؤلات التي تطرح نفسها في هذا الخصوص دلالات هذا التطور على صعيد أوضاع النظام العربي، وأبعاد ومدى إمكانيات نجاح الوساطة التركية، وتأثيرها على مستقبل العلاقات السورية الإيرانية، ومدى الحضور الأميركي سواء المباشر أو غير المباشر في هذه المفاوضات؟

في محاولة الإجابة عن هذه التساؤلات يمكن الإشارة إلى أن هذا التطور على الصعيد العربي وعلى النحو الذي تم به يكشف عن التصدع الكبير الذي يعيشه النظام الإقليمي العربي والذي يتجلى في أوضح حالاته في خلاف سوريا مع كل من السعودية ومصر وهى الدول التي كانت تمثل ثلاثتها محورا يمثل تنسيق مواقفه زخما للعمل العربي على كافة المستويات.

وإذا كان هذا الخلاف تجلي على صعيد العلاقات العربية العربية في الأزمة اللبنانية واشتداد حدة الاستقطاب بشأنها، بين الأطراف المشار إليها، فإنه على صعيد ملف مسار المفاوضات السوري انعكس في تحول مقدرات إدارة الملف من الجانب العربي إلى قوى إقليمية أخرى ممثلة في تركيا.

ويمكن القول إن هذا الخلاف يفسر في ضوء ما يمثله من ضغط على دمشق قبولها للانخراط في المفاوضات على الرغم من المؤشرات التي تشير إلى تضاؤل النتائج التي يمكن أن تتحقق جراء استئنافها على الأقل خلال هذه المرحلة التي من أبرز ملامحها حالة الشلل التي يواجهها صانع القرار سواء في إسرائيل أو الولايات المتحدة، وذلك في ضوء حالة العزلة التي تشعر بها دمشق في محيطها العربي فضلا عن مساعي إحكام الطوق حولها من قبل كل من واشنطن وتل أبيب.

تعزيز الدور التركي

وأما على صعيد الدور التركي والإيراني وتأثير هذا التحول عليهما وعلاقاتهما الإقليمية، فيمكن الإشارة إلى أنه رغم ما يبدو من حقيقة أن جمع أنقرة الطرفين السوري والإسرائيلي على مائدة المفاوضات ثانية ولو بشكل غير مباشر يمثل اختراقا يعزز الدور الإقليمي لتركيا كلاعب فعال يمكن أن يمثل موازنا موضوعيا للدور الإقليمي الذي تحاول أن تلعبه إيران، خاصة أن الهدف النهائي من عملية التفاوض، على الأقل إسرائيليا وأميركيا هو »اختطاف« سوريا من إيران، على النحو الذي يصب في تقويض دور هذه الأخيرة بشكل يؤثر على طموحاتها. وإن كان جني الثمار الكاملة لهذا التحول على صعيد تركيا يبقى مرهونا بمسار المفاوضات ومدى ما يمكن أن تحققه من نتائج.

ولذلك ليس من الغريب أن نجد إصرارا إسرائيليا ـ بل وأميركيا كذلك ـ على التأكيد على ضرورة أن تنأى دمشق بنفسها عن إيران وسياساتها وحزب الله وحماس وغيرها من المنظمات الفلسطينية المقاومة. ويعزز هذا الطرح الفرضية التي أشرنا إليها بخصوص طبيعة الموقف على الصعيد العربي، حيث إن تنامي دور القوى الإقليمية في المنطقة إنما يمثل حسماً في النهاية من رصيد الدور العربي.

أما على الصعيد الإيراني، فلا شك أن هذا التحول حال نجاحه وفق الأطروحات الإسرائيلية والأميركية سيشكل ضربة قاصمة لطهران بانتزاع أقوى حلفائها منها، وهو ما قد يؤثر على مستوى مناورتها على الصعيد الدولي على النحو الذي نتابعه الآن، دون أن يعني ذلك فقدانها كافة أوراقها حيث تبقى هناك حرية الحركة التي تتمتع بها في العراق، فضلا عن التحالف الذي يربطها بحزب الله وحماس على نحو يمكن أن تؤكد فعاليتها بشكل أو بآخر.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا هل يمكن لسوريا أن تضحي بعلاقاتها مع إيران على خلفية تسوية ملف المفاوضات مع إسرائيل؟ رغم ما يبدو من ممانعة سورية لهذه الفرضية وهو ما يعكس تصريح الرئيس الأسد بأن مثل هذا المطلب يعتبر غير عقلاني، وكذا تأييد إيران لهذه الممانعة، إلا أنه يمكن التأكيد على أن براجماتية القيادة السورية ستجعلها تسعى إلى تحقيق أهدافها الوطنية المتمثلة في استعادة الجولان وفق حدود 67، بأقل الخسائر ممثلة في الشروط والتنازلات التي يمكن أن تقبل بها للتلاقي مع الموقف الإسرائيلي.

ويجب ألا ننسى هنا أن العواطف تغيب في السياسة الدولية، وأن العلاقات السورية الإيرانية تعكس تحالفا يقوم على المصلحة في النهاية يمثل فيه كل طرف ورقة في يد الآخر، ومن الجيد أن قيادتي البلدين تتفهمان هذا الأمر بشكل كبير. وليس أدل على صحة هذه الرؤية من التصريح الأخير الذي أدلى به الرئيس بشار الأسد وذهب فيه إلى أنه لو تم ضرب إيران فإن سوريا ليست في وارد الدخول في حرب، وهو تصريح يعكس رسالة طمأنة بشأن طبيعة وحدود الارتباط في المواقف بين دمشق وطهران.

وما نراه أن الفترة المقبلة، على عكس ما يتوقع الكثير من المراقبين، ستشهد المزيد من توثيق عرى العلاقات بين سوريا وإيران، خاصة في ضوء وضوح الأهداف التفاوضية لكل من إسرائيل وسوريا، فالأولى تريد بالأساس ضرب التحالف السوري الإيراني.

والثانية تسعى بكل الطرق إلى استعادة أراضيها المحتلة، وإذا كان رئيس الوزراء الإسرائيلي أولمرت يعاني من وضع يجعله في حالة لا تسمح له بتحقيق هذا المطلب جراء ملاحقته بتهم الفساد على النحو الذي قد ينتهي بالإطاحة به، فقد ينعكس ذلك في مزيد من تحالف دمشق مع طهران باعتبار أن ذلك يضفي عليها مزيداً من القوة تمكنها من تحقيق هدفها.

حدود الدور الأميركي

يبقى الإشارة إلى الدور الأميركي وحدوده، وهنا فإنه رغم تطابق الأهداف الإسرائيلية والأميركية، إلا أن هناك على ما يبدو قدرا من الاختلاف بشأن هذا المسار، يعكسه الفتور الأميركي في التعاطي مع الإعلان عن انطلاق المفاوضات، وهو فتور أكده الرد الأميركي على تصريحات الأسد التي تطالب برعاية أميركية للمفاوضات، حيث راحت واشنطن على لسان المتحدث باسم الخارجية الأميركية تؤكد انشغالها بالمسار الفلسطيني.

وإذا أضفنا إلى ذلك القيود التي تواجه الإدارة الأميركية الحالية باعتبارها في آخر أيامها، أمكن لنا تخيل محدودية الآمال التي يمكن تعويلها على هذا الدور، وهو أمر لمسه الرئيس السوري بنفسه حين أكد أن ثمرة التحرك التركي لن تكون في ظل إدارة بوش الحالية ولكن الرئيس الأميركي المقبل.

يكشف مجمل الصورة السابقة عن أن ملف المفاوضات غير ناضج للتسوية بعد، وهو ما يعني في التحليل الأخير أنها مفاوضات استنزاف الوقت لحين تهيئة الظروف الموضوعية، خاصة أن نحو 85% من الخلافات بين طرفي المفاوضات تم تسويتها، ويبقى الأمر معلقا حتى إشعار آخر يرتبط بطبيعة توجهات الوافد الجديد إلى البيت الأبيض.

إضاءة

أخذت تركيا تلعب دوراً في معالجة القضايا الإقليمية فدورها الوسيط بين سوريا إسرائيل استكملته بدور آخر لعبته في إطفاء الحرائق في لبنان وقد كشف أردوغان أن الموالاة السنة في بيروت اتصلوا به عندما سيطرت المعارضة على بيروت. ولذلك يمكن تفسير الدور التركي بمحاولة أنقرة للعب دور إقليمي في مواجهة الدور الإقليمي الإيراني.

مصطفى عبد الرازق