أثار تفجر الأوضاع في أبيي والهجوم الذي شنه متمردون مؤخرا في أم درمان التساؤلات حول مستقبل السودان في ظل تطورات تمثل ضغوطا تعزز حالة عدم الاستقرار في البلاد. وفي معرض محاولة البحث في أسباب تلك التطورات يمكن الإشارة إلى تشابك العوامل الداخلية مع الإقليمية والدولية على النحو الذي يشير إلى هشاشة الموقف هناك.

وأن مستقبل البلاد أصبح رهن إرادات عدة أطراف، قد يكون أقلها تأثيرا إرادة النظام القائم في الخرطوم، ما يتطلب منه قدرا من الحنكة في إدارة الصراع على النحو الذي ينتهي بالبلاد إلى ما يمكن اعتباره بر الأمان.

وتتمثل خطورة أحداث أبيي في أنها تهدد بعودة البلاد إلى المربع الأول للحرب الأهلية التي دامت طويلا وبدا أن الأمور تتجه إلى طي ملفها باشتراك الحركة الجنوبية في الحكم. أما اختراق أم درمان فإنه يكشف رغم محاولة النظام السوداني التقليل من أهميته إما عن قوة حركة التمرد التي قامت به أو عن الضعف البالغ للنظام السوداني على النحو الذي سمح لحركة بالوصول إلى حد تهديد إحدى ولايات العاصمة الثلاث.

هنا وفي سياق رصد هذه التطورات ووضعها في إطارها الطبيعي على صعيد مجريات الأوضاع في السودان، يمكن الإشارة إلى أنها تمثل حلقة في سلسلة حلقات تستهدف تقويض أركان الدولة السودانية، وهو الأمر الذي يعكس إرادات أطراف محلية وخارجية في تاريخ السودان الحديث.

فمواجهات آبيي بغض النظر عن أسبابها الآنية لا تنفصل عن جوهر النزاع بين الحكومة السودانية وما يسمى الجيش الشعبي لتحرير السودان، حيث إنها تعكس في النهاية محاولة لفرض السيطرة على المنطقة، في مواصلة للنزاع القديم والذي تم التوصل إلى حل له بمقتضى اتفاقية نيفاشا عام 2005 والتي أنهت الحرب الأهلية في السودان.

وهى الاتفاقية التي لم تحسم وضع المنطقة رغم حسم وضع منطقتين أخريين متنازع عليهما هما جنوب النيل الأزرق وجبال النوبة بالاتفاق على تمتع المنطقتين بحكم ذاتي وحرية في اتخاذ القرار ومشاورة شعبية.

ولعله ليس من قبيل الإيغال في التاريخ والبعد عما يجري على أرض الواقع، الإشارة إلى أن الخلاف على وضع أبيي ذاته يعكس دورا خارجيا يتعلق بدور بريطانيا في تحديد تبعية المنطقة لشمال مديرية كردفان بنا ء على قرار من قبل الحاكم العام البريطاني، الأمر الذي تعزز بتقسيم عام 1956 والذي أقر بأن المنطقة تقع ضمن الشمال.

على طريق الانفصال

وعلى ذلك فإن الصراع على أبيي والذي قد يتخذ أشكالا أكثر حدة خلال المراحل المقبلة يمثل في رأينا ما يمكن اعتباره إحدى الحلقات الأخيرة على طريق تحقيق خطة انفصال الجنوب بالكامل عن الشمال، وهو الهدف الذي تتعزز المساعي لتحقيقه على أفضل وجه بضم آبيي للجنوب باعتبار ما تضمه من ثروة نفطية كبيرة.

وفي هذا الخصوص يشير البعض إلى دور أميركي يأتي في إطار محاولة الهيمنة على شؤون القارة، ما قد يعني رغبة أميركية في إنهاء النزاع لصالح متمردي الجنوب. وهو ما تتعدد الإشارات إليه ومن ذلك ما أشار إليه الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر في أبريل 2001 إلى أنه «على مدى السنوات الثماني الماضية انتهجت الولايات المتحدة سياسة تجاه السودان كنت أرفضها بقوة تقوم على مساندة المتمردين وعدم العمل من أجل اتفاق سلام شامل».

وقد تواصل هذا الدور فيما بعد خلال حكم إدارة بوش حيث عملت على الضغط على حكومة الخرطوم من أجل إنهاء الحرب والتوصل إلى تسوية بين الشمال والجنوب من خلال التلويح بعواقب وخيمة للخرطوم إذا اعتبرتها الولايات المتحدة غير جادة في مواقفها وهو ما أدى إلى اتفاقية سلام مؤقتة في 2002 هي بروتوكول مساكوتش ونهاية رسمية للحرب فيما بعد عام 2005. وقد كان الدعم الذي قدمته لجيش جارانج وراء استقوائه وعدم نشدانه السلام إلا بشروطه الأمر الذي تحقق على نحو كبير في بنود اتفاقية 2005.

وفي هذا الصدد يأتي دور العامل الخارجي، فمن قبيل السذاجة السياسية محاولة الإدعاء أن حركة جارانج استطاعت أن تخوض حربا مع النظام السوداني على مدى أكثر من عشرين عاما دون مساعدة أطراف إقليمية ودولية، وهو صراع ممتد على قلب الجنوب ما بين الأسلمة والتعريب من قبل النظام المركزي في الخرطوم والأفرقة من قبل بعض أبناء الجنوب بدعم من الخارج.

وقد انتهى الأمر حتى الآن بما يمكن اعتباره هزيمة لتيار الأسلمة والتعريب، حيث تشير الأمور إلى تسيد اتجاهات الانفصال بمقتضى الاستفتاء الذي من المقرر أن يجري عام 2011 بشأن مستقبل الجنوب وما إذا كان سيقبل الاندماج في إطار السودان كوحدة واحدة أم يشكل دولة منفصلة.

أم درمان.. العرض والجوهر

وتكاد أحداث أم درمان أن تصب في الاتجاه ذاته، حيث أنها تمثل عرضا لجوهر آخر هو علاقات السودان الإقليمية، على النحو الذي يدعو البعض إلى الإشارة إلى أنها يمكن أن تعد «ترمومترا« لطبيعة هذه العلاقات.

وليس من قبيل تبني أطروحات النظام السوداني التأكيد على أن المتمردين الذين يمثلون حركة العدل والمساواة الذين اخترقوا أم درمان كانوا يتمتعون بدعم خارجي، تؤكد الخرطوم أنه يتمثل في تشاد، وهو ما قد تراه هذه الأخيرة موقفا له تبريره يتمثل في إتهامها بدور للخرطوم في دعم الانقلابيين الذين زحفوا في فبراير الماضي إلى العاصمة إنجامينا إلى حد محاصرتهم للقصر الرئاسي وإن فشلوا في الإطاحة بديبي، منطلقين ـ حسب تشاد ـ من الأراضي السودانية وبدعم سوداني.

ولا ينفصل هذا الحادث ـ اختراق أم درمان ـ عن القضية الكبرى الأخرى التي تواجه الدولة السودانية وتتمثل في قضية دارفور والتي تعكس في جانب منها، مع الاعتراف بوجود أسباب داخلية أساسية لها، تشابكات وتوترات العلاقات الإقليمية للسودان، ولذلك فإنه ليس من الغريب ما يشير إليه البعض من توقعات بأن تشهد أزمة دارفور انفراجا في حال سيطرة المعارضة المسلحة على تشاد بالنظر إلى أن نظام ديبي كان يدعم بقوة متمردي دارفور.

وفي إشارة إلى الدور الخارجي الذي يشعل الأوضاع هناك تشير بعض المصادر إلى تورط ديبي في شراء أسلحة فرنسية لصالح حركة العدل والمساواة المتمردة في دارفور والتي تسلم له تحت غطاء إمدادات للقوات الحكومية التشادية المنتشرة بشرقي تشاد وعلى الحدود مع السودان لقتال فصائل المعارضة، بل يصل الأمر إلى حد حديث بعض المصادر عن مشاركة حركة العدل في القتال إلى جانب الجيش التشادي ضد المعارضة كفصيل تابع للجيش.

ولعل ما يعزز ذلك رواية الدكتور غازي صلاح الدين مستشار الرئيس البشير بإشارته إلى أن المتمردين تحركوا بحوالي 45 عربة عسكرية وأن هذه العربات، حسبه، غير متاحة للحركة المتمردة في دارفور ولا يمكن أن تحصل عليها إلا من دولة أخرى.

وعلى صعيد ما يشير إلى ترابط أزمات الداخل، وتفاعلها مع التدخلات الخارجية، يمكن الإشارة هنا إلى الدور الذي لعبه اتفاق مساكوتش في تدهور الأوضاع في دارفور في ضوء رؤية أهل الإقليم أن الحكومة لا تسمع إلا صوت السلاح.

كما يأتي في هذا السياق الدعم الذي قدمه جون جارانج في مرحلة من المراحل للمقاتل إسلامي صديق بولاذ فاز وهو من أبناء دارفور وانشق عن الجبهة الإسلامية للإنقاذ وقدم له جارانج 5 آلاف مقاتل تسربوا من افريقيا الوسطى ليديروا عمليات في جنوب دارفور.

تهديد وحدة البلاد

ولعل ما سبق يشير إلى حقيقة أساسية تفسر إلى حد كبير جانبا كبيرا من المشكلات التي يواجهها السودان، وتتمثل في طبيعة موقعه وامتداده في العالم العربي وأفريقيا السوداء، وهو ما جعله في حال من التوتر جراء الصراع الداخلي والخارجي على هويته، وهو الإلحاق الذي يستتبعه استحقاقات أخرى.

ورغم أن اكتشاف الثروات يعد نعمة على الشعوب، إلا أنه كان بمثابة نكبة، جراء اكتشافها في مناطق خطوط التماس، ما عزز من عملية الصراع. ولعله ما ساعد على ذلك أداء الحكومات السودانية على مدى العقود الماضية على النحو الذي لم يساعد على انتشال البلاد من الحال التي كان يجري جرها إليها.

ومن ذلك مثلا تطوير الصراع مع تشاد في الوقت الذي كان النظام لم يتخلص فيه من مشكلة الجنوب على نحو فجر مشكلة تهدد وحدة البلاد، وعلى نحو أصبحت معه عرضة للتفتيت ما بين جنوب وغرب، فضلا عن إمكانية اختراع بؤر توتر وانقسام أخرى، الأمر الذي يساعد عليه التركيبة الاجتماعية والقبلية في مناطق السودان المختلفة. وإذا كانت الأمم المتحدة.

كما أشار البعض، تشير إلى احتمالات ظهور ستين دولة في الألفية الجديدة، فمن يدري لعله يكون من بينها دولتين أخريين إلى جانب السودان الحالي تقتطع من أراضيه وهو السيناريو الذي يتمنى كل عربي ألا يقع.

اندلع القتال في ابيي 13 مايو الجاري ويتمحور الصراع في أن الحركة تعتقد أن المنطقة جنوبية في الأصل ضمت إلى الشمال بقرار إداري فيما يرى حزب المؤتمر الوطني الحاكم أن ابيي شمالية. وتسعى الحركة الشعبية لتحرير السودان إلى بسط هيمنتها بالقوة على آبيي عبر ذراعها العسكري.

مصطفى عبد الرازق