في الرولة يلتقي الأمس بالغد، ويتواصل الماضي مع الحاضر ويترعرع الحفيد الغض في أحضان الجد العجوز.. المنطقة موغلة في القدم، دبت بها الحياة منذ عام 1567 ميلادية تقريبا وكانت تختلف عن الصورة التي نراها عليها الآن اختلافا كبيرا.

وتعرف بمنطقة الغرب وكانت تزينها شجرة الرولة الشهيرة والتي زرعها في القرن التاسع عشر الشيخ سلطان بن صقر الأول بعدما أحضر النبتة الخاصة بها ومصدرها غير معروف على وجه الدقة إلا أن البعض من المهتمين بالبحث يؤكدون أنها من بلاد فارس والبعض الآخر ذكر أنها شجرة نادرة لا تنبت إلا في جزر الخليج العربي وذهب البعض إلى احتمال ورودها من بلاد الهند.. وتعرف أشجار الرول بأنها نوع معمر من الأشجار وتتميز بظلها الوفير كما أن بعضها مثمر، بوجود ثمرة صغيرة في حجم الكرز تقريبا، لا تؤكل، على عكس ما يتصور البعض عن أشجار الظل. وشجرة الرولة من أهم معالم الميدان كما يقول عبد العزيز عبد الرحمن المسلم مدير إدارة التراث في دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة.

ويضيف أن الميدان يحتل مسطحا مستطيلا تبلغ مساحته الكلية 241 ألف مترا مربعا تقريبا تزينه أشجار الرولة (وهو لفظ مفرد جمعه رول) وكان الميدان قديما عبارة عن ساحة شعبية معروفة باسم (ساحة الرولة). ولم يكن الميدان يمتد من شارع العروبة إلى شارع الزهراء كما هو الحال في وقتنا هذا كما يؤكد ، وإنما كان موقعه القديم في المسافة ما بين شارع العروبة والحصن أي أن الميدان كان موقعه أمام الشجرة وليس خلفها كما هو موجود حاليا، والحصن وقتها كان يمثل بيت مقر الحكومة بينما شهدت المنطقة العديد من المهرجانات والاحتفالات العامة وسباقات الخيول والمنتديات الثقافية والاجتماعية كما شهدت منافسات الشعراء في إلقاء القصائد والمنتديات الأدبية.

كما أقيمت في أحضان شجرة الرولة فعاليات أول مهرجان للطفولة في منطقة الخليج العربي. وفي الأعياد كان لشجرة الرولة دور كبير في لم شمل العائلات حيث يستعرض الشباب مهاراتهم في تقديم الألعاب الشعبية التي كانت معروفة في ذلك الوقت.. ونظرا لضخامة الشجرة واتساع المساحة التي تغطيها بظلها، فقد كان جذعها يقارب المترين في محيطه.. كانت مجالا لأصحاب المواهب الخاصة في الرسم أو غيره من الفنون التشكيلية البسيطة التي عرفت في ذلك الوقت.. كما كان يحلو للأطفال تثبيت حبال أراجيحهم البسيطة في أغصانها القوية، التي تمكنها من التظليل على أكثر من 500 شخص.

ويضيف عبد العزيز المسلم أن حكومة الشارقة اهتمت بميدان الرولة نظراً لأهميته التاريخية وقامت بعمل نصب معدني للشجرة في نفس مكانها مما حدا بها لتكون مقصدا سياحيا عالميا يحرص السائحون على زيارته ضمن رحلاتهم إلى الشارقة، كما وضعتها بعض شركات التسويق السياحي ضمن عناصر البرنامج السياحي.

ونظراً لارتفاع قامة الشجرة عن ارتفاعات البيوت الموجودة في هذا الوقت والتي لم تزد عن طابق واحد فقد كانت الشجرة هي العلامة الفارقة فيما يتعلق بتحديد المواقع، خاصة وأن لونها الأخضر يميزها عن اللون الأبيض الذي كانت تطلى به البيوت العربية قديماً.

ولا يزال الآباء يذكرون عن شجرة الرولة العتيقة أنها كانت ملتقى التجار وأنسب الأماكن لعقد الصفقات حيث الظل الوارف كما ألهمت الكثير من الشعراء والأدباء مفاتيح مقطوعاتهم الأدبية وقصائدهم الشعرية.

كما كان يتبارى في ظلها الشباب في استعراض عضلاتهم ويقيمون مسابقات في سحب السيارات بأجسادهم وأسنانهم كما كان يجتمع في الساحة الصقارون قادمون من مختلف مناطق الدولة بصحبة صقورهم لتبادل الخبرات والمشورة حول هوايتهم..

واستعراض مهاراتهم، وتوضح بعض الصور القديمة سيارات تحمل أرقاما من الإمارات المجاورة تصطف في ظل الشجرة قبل تخطيط الميدان بشكله الحالي.. كما تظهر الصور الأقدم الإبل والخيول تصطف في نفس المكان.

وكانت البنايات القائمة على الميدان في ذلك الوقت من ثلاثة أنواع النوع الأول هي المباني التحصينية مثل القلاع والحصون والأسوار وأبراج المراقبة ودورها أمني.. والنوع الثاني هي المباني السكنية الدائمة والثالث هو المباني السكنية شبه الدائمة والمقصود بها المباني التي تصنع من جريد النخل والخامات الرخيصة.

ويلجأ الفقراء إليها في بداية حياتهم حتى إذا تحسنت ظروفهم المعيشية حولوا غرفة من الغرف إلى البناء الدائم ثم بعد فترة غرفة أخرى وهكذا إلى أن يتحول البناء بالكامل إلى بناء دائم مع الاحتفاظ بالبناء القديم.

بدأت في العام 1976 إحدى الشركات الأسبانية المتخصصة في أعمال الرصف والتطوير الخاصة في الميدان وقامت ببناء الهيكل المعدني بتصميم مشابه لجذع الشجرة الأصلي ووضع تصميم الميدان الجديد المهندس الأسباني كارلوس مارينات واستغرق ذلك التطوير ما يقرب ست سنوات حيث تم تزويده بأعمدة للإضاءة، وزراعة 30 شجرة من شجر الرول والنخيل وبعض الشجيرات المزهرة حول المساحة المستطيلة المرصوفة.

ولعل أهم ما شهده الميدان القديم من أحداث هو الحادث المؤسف الذي تعرض له الفارس الإماراتي الشهير سالم بن خميس السويدي وأودى بحياته أثناء ممارسة رياضة سباق الخيل في الستينات من القرن الماضي مما أدى إلى وقف ممارسة هذا النوع من الرياضة على ساحة الرولة.. وكذلك الجنازة الرمزية التي أقامها الناس حزنا على رحيل الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر وأقيمت في توقيت متزامن مع الجنازة المقامة في القاهرة .

ويضيف عبد العزيز المسلم أن ساحة الرولة القديمة شهدت رياضة تشبه إلى حد كبير رياضة اليولة المعروفة حاليا حيث كان الشباب يتبارون تحت ظلالها في قذف بنادقهم في الهواء ثم التقاطها، كما كانت أغصان الشجرة العملاقة تتزين بالمصابيح والأضواء الملونة في الأعياد والمناسبات المحلية. كما حرص كثيرون من أبناء الشارقة على إقامة احتفالات زفافهم يوم الجمعة تحت هذه الشجرة تيمنا بها.

أيمن حجازي