استطاع بان كي مون، الأمين العام للأمم المتحدة، مؤخراً، أن يخترق الستار الحديدي المفروض على ميانمار، حيث نجح في الحصول على تعهد من المجلس العسكري الحاكم هناك بإتاحة المجال أمام دخول منظمات الإغاثة الإنسانية للمناطق المنكوبة في البلاد التي ضربها الإعصار المدمر «نرجس» قبل أكثر من ثلاثة أسابيع.

وهذا يعد إنجازاً بحد ذاته لهذا الدبلوماسي الكوري المخضرم بالنظر إلى المواقف السابقة للحكومة العسكرية في ميانمار التي كانت ترفض أي مساعدة تأتي من دول غربية وعلى رأسها الولايات المتحدة لأسباب تتعلق بخوفها من الثمن السياسي الذي سيتعين عليها دفعه مقابل تلك المساعدات، كما أنها تتخوف من احتمال تعرضها لعمل عسكري أميركي يستهدف الإطاحة بالعسكر وتعزيز وضع المعارضة في البلاد.

وعلى الرغم من حصول بان كي مون على ذلك التعهد، إلا أن ممثلي منظمات الإغاثة الدولية وبعض المراقبين ما زالوا ينظرون بعين الشك إزاء التزام المجلس العسكري الحاكم في ميانمار بالتعهدات التي قطعها على نفسه، فهم يعتقدون أن هذا الاختراق جاء ليخدم أهدافاً محددة للجنرالات تتمثل في كسب أكبر قدر من الدعم من الجهات المانحة في المؤتمر الذي عقد في يانغون وفي شغل العالم بعيداً عن موضوع الاستفتاء على الدستور الجديد الذي يرمي إلى تشديد قبضة العسكر على السلطة في البلاد.

كانت ميانمار التي تعرف أيضاً باسم «بورما» تعتبر جزءا من الهند إلى أن انفصلت عنها في 1937 لتصبح مستعمرة منفصلة لبريطانيا وكانت ساحة المواجهة الكبرى في الحرب العالمية الثانية بين القوات البريطانية واليابانية وقد نالت استقلالها في عام 1948 وشكلت أول حكومة مدنية برئاسة ساو شوي ثيك.

ولكن الحكم المدني لم يعمر طويلاً، ففي عام 1962 نجح الجنرالات في الوصول إلى السلطة إثر انقلاب عسكري قاده الجنرال ني وين الذي أعلنها جمهورية اشتراكية في عام 1974 وبقي في الحكم حتى عام 1988. أما المجلس العسكري الحالي بقيادة ثان شوي، فقد وصل إلى السلطة في عام 1992.

علاقة توتر وعداء

تتسم العلاقة بين الغرب ونظام الحكم في ميانمار بالتوتر والعداء، حيث تطالب الدول الغربية النظام بالتخلي عن الحكم العسكري وتنظيم انتخابات ديمقراطية تعددية. ويصر النظام الحاكم من جانبه على عدم السماح للدول الأجنبية بالتدخل في شؤون البلاد ويؤكد على أن الاستفتاء الحالي على الدستور سيؤدي إلى إجراء انتخابات ديمقراطية تعددية في عام 2010.

وكانت الولايات المتحدة قد فرضت سلسلة من العقوبات على النظام العسكري في ميانمار في عام 2007 للضغط عليه من أجل إحداث التغيير السياسي المطلوب وذلك في أعقاب قمع مظاهرات لأحزاب المعارضة كانت تطالب بالديمقراطية.

وهذه العلاقة المتوترة تفسر تردد الجنرالات في ميانمار بالسماح بدخول منظمات الإغاثة والمساعدات على متن سفن وطائرات عسكرية أميركية. ولكن حجم الكارثة التي خلفت أكثر من 134 ألف قتيل ومفقود وشردت ما يزيد على 5,2 مليون شخص جعلت النظام الحاكم يرضخ لمطالب المجتمع الدولي بفتح المجال أمام دخول المساعدات الإنسانية وتسهيل وصولها إلى المناطق المنكوبة.

وترى منظمات الإغاثة الدولية أن متطلبات إغاثة المنكوبين تتطلب تدخلاً سريعاً وأن الخلافات السياسية القائمة بين النظام في ميانمار والغرب يجب أن لا تعيق الجهود الإنسانية، وهذا ما أكد عليه أيضاً الأمين العام للأمم المتحدة في مفاوضاته مع مجلس الحكم العسكري.

وبصرف النظر عن الموقف من السياسة الداخلية التي ينتهجها العسكر، فإنه يتعين على الأطراف المعنية بمساعدة الشعب في ميانمار تجاوز الخلافات والتركيز على الهدف الملح في مساعدة المدنيين على الخروج من محنتهم. وقد رحبت منظمات الإغاثة الدولية باستجابة النظام في ميانمار، ولكنها عبرت عن تشككها في صدق نواياه بالسماح بدخول موظفي الإغاثة إلى جميع المناطق التي ضربها الإعصار بغض النظر عن جنسياتهم.