تشهد الولايات المتحدة والغرب بشكل عام ظاهرة جديدة لافتة تتمثل في تحول قوى يمين الوسط السياسية إلى اليسار. والأمر المثير للدهشة هو أن المحافظين هم المؤهلين أكثر من غيرهم للاستفادة من هذا التحول.
ويبدو أن المحافظين أخذوا يطرحون جلودهم القديمة ليظهروا بمظهر جديد. ففي أنحاء العالم الغربي، يتخلى السياسيون المحسوبين على اليمين عن لهجتهم الصقورية والتصادمية المولعة بالحروب ويعملون جاهدين من أجل تقديم صورة حمائمية أمام الجمهور.
لقد بدأ هذا التحول منذ فترة طويلة، فالرئيس الأميركي جورج بوش خاض حملته الانتخابية «كمحافظ رحيم» في عام 2000 ليتحول إلى رئيس سيتذكره الناس دائماً بعباراته التي أطلقها مثل «محور الشر» و«الضربة الاستباقية» وبالجرائم التي ارتكبت في غوانتانامو وأبو غريب.
والآن حمل جون ماكين، المرشح الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأميركية، المشعل الذي تخلى عنه بوش من قبل وهو يبذل قصارى جهده لكي يقدم نفسه كجمهوري بوجه إنساني. وحتى في الوقت الذي يتعهد بمواصلة العمل من أجل ترسيخ الاستقرار في العراق، فإنه يؤكد عزمه على إغلاق معتقل غوانتانامو وعلى منع المخابرات المركزية الأميركية «السي آي إيه» من الانخراط في عمليات التعذيب. وقد وعد أيضاً بدعم إجراءات ترمي إلى حماية البيئة من التغيرات المناخية.
الحقيقة أن ماكين ليس وحيداً في هذا التوجه، فزعيم حزب المحافظين في بريطانيا، ديفيد كاميرون، يختلف كلياً عن المحافظين البريطانيين التقليديين من أمثال مارغريت تاتشر، رئيسة الوزراء البريطانية السابقة التي كانت توصف بالمرأة الحديدية. ولو أن تلك السيدة ما زالت تعمل في السياسة لتبرأت من كاميرون وحزبه.
هناك خلاف في المنهج العام والأفكار والرؤى بين المحافظين التقليديين والمحافظين الجدد إن جاز التعبير. فمارغريت تاتشر انتهجت سياسة تقوم على تطبيق المرونة ورفع القيود والخصخصة. وقد قالت في إحدى المناسبات: «لا يوجد شيء اسمه مجتمع». أما كاميرون، فيؤمن أن العالم أصبح أكثر ثراء بينما أصبح المجتمع البريطاني أشد فقراً.
ويقول بهذا الخصوص: «إن أجندة الطموح الحديثة تعني مساعدة الفقراء على التخلص من فقرهم، وإذا لم ننجح في تلك المهمة، فإنني أقول لكم بصراحة إننا سنكون جميعاً أكثر فقراً. والفقر ليس بالأمر المقبول في بلادنا اليوم».
التنصل من المتشددين
التغيير نفسه يجري على قدم وساق في كل مكان في الغرب. فقد تم شطب المحافظين المتشددين من أمثال السياسي الألماني السابق فرانز جوزيف شتراوس، وباري غولدووتر، الذي سبق وترشح للرئاسة عن الحزب الجمهوري في أميركا، والسيناتور الجمهوري السابق جوزيف مكارثي، من الذاكرة الجمعية لأحزابهم. وفي السويد، بدأ المحافظون يطلقون على أنفسهم مسمى «المعتدلون الجدد».
يبدو هذا التحول واضحاً أكثر لدى المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي تبنته بعد وصولها إلى الحكم، فعندما كانت في المعارضة في عهد جيرهارد شرويدر، كانت تعتبر أن تقليص نفقات الرفاه الاجتماعي وتطبيق الإصلاحات المواتية لأنشطة الأعمال التي قامت بها حكومة الديمقراطيين الاجتماعيين ـ كانت تعتبره غير كاف لأن شعارها كان تخفيض النفقات كلما أمكن ذلك.
أما اليوم فإنها تبدي قدراً كبيراً من التساهل في موضوع الإنفاق العام لدرجة أنه بات هناك المزيد من المخصصات للمتقاعدين والعاطلين عن العمل والمستحقين للمساعدات في مجال السكن والعلاج. يوجز ماكس بوت، الباحث في مركز دراسات الأمن القومي الأميركي التغير الحاصل لدى المحافظين في الولايات المتحدة بالقول إن المحافظين الجدد هم الذين يشددون اليوم على الوجه الأخلاقي للسياسة الخارجية.
فعلى سبيل المثال، خلال التسعينات من القرن الماضي، كان كثيرٌ من المحافظين التقليديين في الولايات المتحدة يشككون في ضرورة التدخل في البوسنة وكوسوفو، واعترضوا على تدخل واشنطن في عمليات التطهير العرقي في يوغوسلافيا السابقة وفضلوا البقاء على الحياد، في الوقت الذي كانت الأطراف المتقاتلة مستمرة في ارتكاب المجازر.
أما المحافظون الجدد فقد كانوا من بين مشجعي التدخل، حيث أدركوا أن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تستمر في غض الطرف عن المجازر الجارية في بعض أجزاء أوروبا حتى ولو لم يكن لها تأثيرٌ مباشر في الأمن الأميركي. ويعلق ريتشارد بيرل، وهو من كبار منظري المحافظين الجدد، بأن أفكار هؤلاء المحافظين وجدت صديً لدى عددٍ كبير من الأميركيين، لأنها أفكارٌ عملية ولا تنطوي على نظرياتٍ عميقةٍ أو معقدة.
وهو يعكس التغير في توجه المحافظين الجدد بقوله: «إن المحافظين الجدد يميلون إلى الليبرالية فيما يتعلق بالمسائل الوطنية المحلية وإلى المحافظة أو الواقعية فيما يتعلق بالمسائل الدولية، مثلاً يؤمن المحافظون الجدد بمعظمهم بانفتاح المجتمع الأميركي، كما أننا نشجع سياسات الهجرة.
فنحن نريد أن يأتي الناس إلى الولايات المتحدة ويسعدنا مجيء الناس من أنحاء العالم بحثاً عن حياةٍ أفضل، ونعتقد أن في ذلك إغناء لمجتمعنا وثقافتنا. ويمكن القول إن المحافظين الجدد هم ليبراليون تقليديون تفاعلوا مع اتجاهٍ حادّ إلى اليسار في السياسة الأميركية، بدأ بالظهور في أواخر الستينات من القرن الفائت».
فشل المشروع العسكري
لكن ما الذي دفع المحافظون إلى التغيير؟ هناك مجموعة من العوامل التي دفعت المحافظين إلى اعتماد التغيير ربما كان من أبرزها فشل مشروعهم العسكري في العراق واقتناعهم بأن القوة العسكرية وحدها لن تحل المشكلات وتجعل العالم أكثر أمناً وأنه لا مجال لتجاهل الجهود الدبلوماسية.
الأمر الآخر هو أن المحافظين باتوا حريصين على التخلص من الصورة البشعة التي ارتبطت بهم إذا ما أرادوا الحفاظ على التأييد الشعبي الذي حصلوا عليه في السنوات الماضية. هذا بالإضافة إلى أن المشاكل التي تسببت بها العولمة أخذت تلقي بثقلها على الطبقات المتوسطة والفقيرة وهو ما استدعى اهتماماً أكبر من جانب الأحزاب المحافظة بقضايا الرفاه الاجتماعي.
والشعوب اليوم لا تتوقع ثورة في وجه التغيرات الحتمية ولكنها تتوقع أن يتم التخفيف من آثارها. والتغيير الذي تنشده الجماهير ليس تغييراً في حياتها وإنما تغييراً في القوى التي تسبب الاضطراب في حياتها.
