استفحال أزمة الغذاء، غير المسبوقة في التاريخ الحديث؛ بات أحد أبرز هموم اللحظة الراهنة وتحدّياتها. كما تحولت هذه الأزمة إلى بند حاضر على رأس جدول أعمال اللقاءات والندوات، المحلية والإقليمية. تفاقمها ألقى بثقله على عموم الساحة الدولية.

آثارها طاولت كافة الأطراف والجهات؛ ولو بدرجات مختلفة. في عالم الجنوب، عموماً، الأزمة تتبدّى مخاطرها المهلكة، على حقيقتها؛ حيث أخذت تهدّد، ليس فقط الأمن الغذائي والاجتماعي لمجتمعات ومناطق بكاملها؛ بل أيضاً تهدّد الحياة والوجود الإنساني بذاته، فيها.

شبح المجاعات يزحف بسرعة إليها. وزاد الطين بلّة، أن الجفاف ضرب أماكن عدة فيها؛ فقضى على الزرع والضرع فيها. آخر الأرقام تتحدث عن مئة مليون إنسان باتوا داخل فلك المجاعة. ستة ملايين منهم، في أثيوبيا لوحدها؛ حسب الأمم المتحدة. في الصومال، بين مليونين ونصف وثلاثة ملايين ونصف إنسان، بحاجة لمساعدات عاجلة.

قوس يمتدّ من كوريا الشمالية إلى أفريقيا، يعاني من الضيق الغذائي. ثمة مخاوف من وقوع كارثة إنسانية، تتجمع غيومها الدّاكنة بسرعة؛ في الأفق القريب. «مجلس حقوق الإنسان»، عقد الأسبوع الماضي، اجتماعاً في جنيف؛ للنظر في الأزمة. الإعلان العالمي، الذي صدر قبل ستين سنة في هذا الخصوص، يؤكّد على «حق الإنسان في الحصول على الغذاء».

مؤتمر بون، الذي بدأ أعماله في 19 الجاري وينتهي اليوم، 30/5؛ حول التنوع الحيوي،كانت شؤون الزراعة محور مداولاته؛ بحكم هذه الأزمة. منظمة الأغذية والزراعة الدولية ـ الفاو ـ كشفت في تقريرها، أن ما يقرب من 75% من أصناف المنتجات الزراعية التي كانت متوافرة قبل مئة عام، خرجت من التداول في هذا الحقل. محاولات تفسير الأسباب، عديدة.

في معظمها تدور حول الظاهر المباشر منها. من بينها،المناخ المتأثر بالاحتباس الحراري ومضاعفاته السلبية، على الزراعة؛ في أماكن عدة. خاصة الفقيرة في موارد المياه المتجددّة. وكثيراً ما يعزى أحد أهم أسباب الأزمة، إلى ارتفاع التضخم؛ تبعاً لارتفاع أسعار الطاقة؛ مما ضغط على أسعار المواد الغذائية؛ وجعلها بالتالي في غير متناول أصحاب اليد القصيرة.

كما تذكر في هذا السياق، أسباب أخرى، مثل العنف المستشري في بلدان كثيرة؛ والتكاثر السكاني؛ فضلاً عن هجرة الريف إلى المدن وتحويل هذه الأخيرة إلى كتل من الفقر والعوز؛ وبالتالي سوء التغذية. وحسب تقرير «الفاو»، لن يكون في قدرة الإنسان على رفع الإمدادات الغذائية اللازمة لمثل هذا التزايد؛ إذا ما بقي يعتمد على محاصيل قليلة، كالقمح والذرة والأرز.

الذي لا شك فيه أن كل هذه الأسباب، منفردة ومجتمعة، كان ولا يزال لها دور في القفزة الجنونية للأسعار؛ التي يقول البنك الدولي بأنها باقية معنا طويلاً؛ حيث أن «زمن الأسعار الزهيدة للمواد الغذائية قد ولّى». لكن بالتأكيد ليست هي الأسباب الوحيدة. ولا هي تفسر سرعة القفزة ومداها. فلا عدد سكان العالم ازداد، بما يبرر الزيادة الصاروخية في الأسعار.

ولا حتى المحاصيل هبط منسوبها بدرجة تفسر هذا الصعود غير المعقول. على العكس، تفيد آخر التوقعات بأن مواسم هذا العام ستفوق غلالها، ما كانت عليه السنة الماضية. خاصة القمح والأرز. تطمين آخر صدر عن «الفاو»، يقول أن الأرض «عندها من الثراء البيولوجي ما يكفي لمواجهة أسوأ الأزمات الاقتصادية».

إذا كانت الأمور كذلك، إذن كيف ولماذا نشأت هذه الأزمة؟ بالتأكيد لم تهبط من سماء زرقاء. الأصابع تشير إلى الأثينول. كميات هائلة من الحبوب والمنتجات الزراعية، بدأت تتدفق على معامل التكرير؛ لتحويلها إلى «وقود »، بدلاً من النفط. تحويل جائر. قطع اللقمة عن الأفواه الجائعة ليطعهما إلى محطات الوقود. ارتفعت أسعار الأولى ومن دون أن تنخفض أسعار الثانية.

ثمة رائحة تجويع تفوح من الأثينول؛ معطوفة على رائحة محاولة لإعادة شفط الموارد والثروات، في العالمين الثالث والنامي. الأثينول، يقول الخبراء، لن يحل محل النفط. لماذا إذن هذا الاقتطاع؟ الرئيس بوش، أحد ابرز دعاة الوقود الحيوي، قال، في استقباله للبابا؛ قبل أسابيع: «كل حياة إنسانية هي حياة مقدسة». إذا كان عند كلمته، عليه؛ في ضوء الأزمة، أن يكون من دعاة ترك الغذاء للبشر كي لا تضربهم المجاعات ويحصدهم سيفها. مع هكذا توجّه، معزّزاً بالتوعية والتنمية، تتحقق الغلبة على الأزمة.

فيكتور شلهوب