مأمون فندي كاتب وباحث وأكاديمي كبير، تجمع مقالاته التي يطل بها على القارئ عبر «الشرق الأوسط» بين خفة الظل، ورشاقة العبارة، وقوة التعبير عن الرأي، وهى تكشف عن قدرات عقلية تتسم بالمرونة كما «الأستك». وأما في مجال السخرية، فقلمه لاذع ولاسع كما «الكرباج».
وهو على حد ما يصنفه الكاتب والصحافي الغربي أندرو هاموند في كتاب صدر له مؤخرا ناشط ليبرالي يعكس تيارا من أبرز رموزه أحمد الجلبي وكنعان مكية وفؤاد عجمي، ومن أبرز أمنيات هذا التيار تحقيق الديمقراطية في العالم العربي ولو على ظهور الدبابات الاميركية أو من تحت جنازيرها، ليس مهما، المهم تحقيقها.
أطل فندي علينا الأسبوع قبل الماضي ـ 19 مايو ـ بمقالة تحمل عنوان «المية تكذب الرئيس» يمثل مضمونها مفاجأة كبيرة للقارئ المتابع له خاصة من قرأ مقالة سابقة له بعنوان- أنابوليس «والناس اللي بتخر» ـ وبشكل أخص أن الفارق الزمني بين المقالين ليس سوى خمسة شهور فقط.
في مقالته حول أنابوليس راح فندي يعرب عن اقتناعه أكثر من أي وقت مضى بأن الناس عندنا ـ في عالمنا العربي ـ «بتخر». أي يدخل الكلام من ناحية ويخرج من ناحية أخرى، منتقدا ـ عن حق - تحليلات مثقفي الشاشات. واستشهد على كلامه بالحديث عن مؤتمر أنابوليس، مشيرا إلى أن.. كمية الجهل التي تحدثت عن أنابوليس قادرة على تشويش أي عقل. هذا الجهل ـ حسبه ـ هو بمثابة ماء النار الذي يخرم الصفيحة، لذا نجد أن معظم الناس «بيخروا».
وقدم لنا فندي صورة «بالغة الروعة» عن النجاح الذي حققه العرب خلال أنابوليس، على النحو الذي قد يتضاءل معه في عينيك استرداد القدس على يد صلاح الدين، ويصبح معه نصر أكتوبر شيئا لا قيمة له. وباختصار، وحسب كلماته.. «فقد استطاع العرب أن يحصلوا على سقف زمني لظهور الدولة الفلسطينية هو ديسمبر 2008».
وفي المقابل ـ بشرنا فندي ـ بأن الإسرائيليين لم يحصلوا سوى على تنفيذ الجانب الأمني من خارطة الطريق وهو ليس مكسبا كبيرا لهم. وفي تحليل يتجاوز بمراحل التحليلات التي يقدمها من «يخرون» من مثقفي الشاشات، يقول لنا فندي ان بوش وضع رئاسته في كفة وحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي في كفة أخرى. ولكي يسد الخرم فقد أشار إلى كلمة وردت في الفقرة الأخيرة من التفاهم توحي بالتزام أميركي شديد لا يقبل الشك إلا من المتآمرين.
ولأن فندي من الناس الذين لا يخرون، فقد استشرف المستقبل وأشار إلى أن نظرية المؤامرة خلف المؤتمر ليست مستبعدة تماما هذه المرة رغم كل الالتزامات التي تمت تجاه فلسطين والتي تعد واحدة من مسارات تجمع أنابوليس الدولي. ولذلك يدعونا ـ بإخلاص ـ إلى أن نسد الثقوب في القضايا والبشر وأن ننضج إلى مستوى العلاقات الدولية الجادة بعيدا عن الكلام الأجوف.
في مقالته الثانية التي نشير إليها راح فندي يقوض أحلامنا التي نسجناها على منوال كلامه في المقال السابق، وبدلا من أن يجعلنا ننتظر لكي نرى هل تكذب «المية» الرئيس بوش ووزيرة خارجيته رايس، راح يجزم بأن «المية» ـ خلاص - كذبته.
ليس ذلك فقط بل إن فندي أخذ يعدد مؤشرات «المية» التي تكذب الإدارة الاميركية اليوم، وكلها تشير إلى أن الدولة الفلسطينية التي كانت قاب قوسين أو أدنى في مقاله الأول أصبحت بعيدة المنال، إن لم تكن مستحيلة في مقاله الثاني.. فـ (زيارات بوش ووزيرة خارجيته المتكررة إلى المنطقة لم تقدم أي حل يساعد على ترجيح المتفائلين بالدور الاميركي وإمكانية الحل سواء في فلسطين أو.. أو».
وهو تحليل شجاع ينبغي أن يحسب لفندي الذي لم يتوان أن يعلن عن خطأ رؤيته في المقال الأول ولو بشكل غير مباشر، غير أن قراءة المقالين معا تجعلك تتساءل بحق عمن الذي يخر بالضبط: الناس أم.. «الفرد»!؟
