في عمل فني كبير، تعتزم قطر تقديم رسالتها إلى العالم عبر سيمفونية يؤلفها الموسيقي الدكتور سالم عبد الكريم، والذي أشار في معرض شرحه للمشروع إلى أنه يأتي في إطار تسجيل قطر تجربتها الإنسانية في عمل فني كبير.
العمل الذي سيكون تحت إشراف مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، سوف يعرض لتميز قطر بين دول العالم، وما حققته من نهضة في زمن قياسي، والحكايات العديدة التي تقف وراء هذا الإنجاز، والتي قد تمتد إلى مئات السنين.. من فترة الغوص، إلى ظهور النفط، وحتى العهد الحديث الذي شهد انطلاقة قطرية على المستويين الإقليمي والدولي.
ومن ذلك المنظور طرح عبدالكريم الرؤية في عمل فني، واختار أن يكون سيمفونية وليس أي قالب موسيقي آخر. وقال عبدالكريم إن السيمفونية هي أكثر القوالب الموسيقية تركيباً وتعقيداً، وتتيح للمؤلف أن يتناول موضوعاً كبيراً، كما أن القالب السيمفوني يختزل كل حضارة العالم في الشكل والمضمون.
وأضاف أن السيمفونية تضم كافة ألوان الطيف في الآلات الموسيقية، وعلى مستوى الشكل هناك تقسيم الآلات على المسرح حسب تصنيفها من آلات وترية أو نفخ أو إيقاعات، مشيرا إلى أن السيمفونية ألفت لتكون رسالة قطرية في أسلوب حضاري إلى العالم، وبالتالي فإن عملا سيمفونيا هو الجدير بأن يروي حكاية قطر إلي العالم.
ويضيف د. عبدالكريم أن السيمفونيات هي أكثر الأعمال الموسيقية تخليدا لموضوعاتها، ضاربا المثل بالسيمفونية الثالثة للموسيقار الكبير بيتهوفين.. عن نابليون بونابرت، والتي كانت بعنوان «البطولة. ويقول د. عبدالكريم إنه ألف السيمفونية القطرية من حكايا سمعها، وأناس تعرف عليهم، وموسيقات استمع إليها وأراد أن يجمعها، ويعيد صياغتها باتجاه العالمية عن طريق أرقى فن إنساني بنائي موسيقي وهو قالب السيمفونية.
ويستطرد قائلا: كان كل طموحنا هو أن تكون الآلات الموسيقية وبالتالي الموسيقى التي تعزفها هي الصدى لأصوات تلك الحكايا وتلك الهمهمات، وتلك القصص، والمواقف الإنسانية التي بنت وشيدت وتبني هذا البلد.
ويقول عبد الكريم إن السيمفونية تتضمن موتيفات من بعض الألحان الفلكلورية القطرية، والموسيقى تصور معاناة من كان يركب البحر وليس له من معين إلا الله ويحدوه أمل بأن يجلب الرزق له ولعائلته في مسار رحلة مجهولة ومحفوفة بالمخاطر وصورت حنين الناس، والأمهات والأبناء، والزوجات إلى أحبائهم ممن يركبون البحر ولا يعلمون هل سيرجعون أم لا.
وطافت الموسيقى مع أولئك الذين كانت الحبال تأكل أيديهم وهم يحدوهم أمل واحد في أن يرجعوا إلى من ينتظرهم ورافقت الموسيقى وعبرت عن آمال وأحلام ومشاعر عديدة عبر الزمان والمكان والحدث، والموسيقى تروي بعضا من تلك المشاهد والحكايا وأرادت أن تكون شاهداً وراويا ووسيلة للتعريف بكل ذلك إلى كل البشر.
ويضيف أن السيمفونية القطرية ليست عملاً محلياً كتب كي يقدم في مناسبة وتنتهي.. وإنما هي شاهد ودليل على قصة تحدٍ ومعجزة إنجاز وهي أرادت أن تروي أن على هذه الأرض يعيش أناس يبنون ويكافحون ويفرحون ويتألمون وكما كان ديدن آباؤهم أن يتركوا بصمة على صفحة هذا الكون العظيم وهذه السيمفونية تهيئنا للتعرف على أهل قطر ولنعيش معهم قصصا من أفراحهم وأحزانهم وحياتهم ولذا فالسيمفونية القطرية هي حياه كاملة بكل معانيها وصورها كتبت بواسطة الموسيقى.
وتتكون السيمفونية القطرية من أربع حركات، تحمل الأولى عنوان «البداية»، وبنيت على صيغة السوناتا وبها لحنان يتصارعان دراميا، يرمز الأول لروح قطر الشعب، والمكان و«نراه يتكرر في باقي الحركات، ونستمع فيها ثنايا موسيقى هذه الحركة التي تعكس جو الصحراء إلى موتيف من اللحن الشعبي «باكر العيد»، وتعكس الحركة الثانية جو البحر.
وعنوان الحركة هو «الحلم»، وتتحدث عن «أم الحنايا»، وهو اسم لسفينة قطرية يصور من خلالها مشاعر الوداع والانتظار، من مسافرين على متن السفينة، أو أهلهم الذين يودعونهم آملين في عودتهم غانمين.
ويشير عبدالكريم إلى الصور الإنسانية المفعمة بالمشاعر في وداع السفينة ولحظة رحيلها وكيف حفرت في ذهنه صورة حبال السفينة وهي تترك أثرها على الأيدي في لحظة الرحيل.. وإذا كان هيمنجواي حصل على جائزة نوبل عن روايته «الشيخ والبحر»، التي تتحدث عن رجل واحد، يقول عبد الكريم : من الأجدر رواية حكايات عديدة عن أجيال من الناس في قطر سطروا تاريخا من المعاناة.
والحركة الثالثة للسيمفونية بعنوان «التحدي والإنجاز»، وتأتي في قالب «سكيرزو»، وموسيقاها تحفل بالخفة والنشاط والحيوية، ويشير عبد الكريم إلى أن بيتهوفين هو مبتكر هذا الأسلوب، وتعكس الحركة الرغبة العارمة بالعمل والإنجاز، وتتضمن عدة إيقاعات فلكلورية، وتعد الحركة الثالثة هي الأصعب بين الحركات الأربع للسيمفونية، فرغم تضمينها إيقاعات محلية شعبية، إلا أن عبد الكريم أصر ألا يستخدم الآلات الشعبية نفسها، وإنما تم تنفيذها بالآلات الأوركسترالية المتعارف عليها.
«إلى الأمام» هو عنوان الحركة الرابعة والأخيرة للسيمفونية، وتعكس المعادلة الصعبة في التوفيق بين الأصالة والمعاصرة، حيث تجمع الحركة بين الاثنين، وتتضمن عدة ألحان من الفلكلور القطري، ومنها لحن «حمامة نودي»، والحركة رمز للتطلع نحو المستقبل، وتبدأ بفن «الترمل»، الذي يصاحب صعود الفارس بالحصان فوق تلة عالية.
وبعد الاستماع للموسيقى أجاب عبدالكريم مؤلف السيمفونية القطرية عن عدد من الأسئلة فقال إن «العرض البصري الذي سوف يصاحب الموسيقى لن يشمل مدة السيمفونية كاملة، فرغم أن الحركة الأولى تبلغ مدتها 19 دقيقة، إلا أن العرض البصري لن يزيد فيها عن أربعين ثانية، وبالتالي فإنه لن يتسبب في أي تشويش على ذهن المتلقي.
وقال إنه رغم تضمين السيمفونية ألحانا من الفلكلور القطري لم يستخدم أي آلة محلية، وتم الاعتماد كليا على آلات الأوركسترا، حتى يسهل على أي فريق سيمفوني عزفها، فيما أن تضمين آلات محلية في أعمال سيمفونية حرم كثيراً من الأعمال العربية المشابهة من الانتشار عالمياً.
الدوحة ـ أيمن عبوشي
