في إحدى الدول الآسيوية، ذات الحضور الطاغي في الخليج، حاول المراسل الصحافي العربي، أن يقنن وجوده على أرضها، لكنه فوجئ بأن هناك جهات تعرقل مسعاه، كانت هذه الجهات تبعث إليه برسائل غير مباشرة بأنها مستعدة لتلبية طلبه، شريطة ألا يمس مصالح الدولة بسوء. اندهش المراسل فكل ما يرجوه هو أن يقنن وضعه ويمارس عمله الإعلامي عياناً بياناً.
استمرت اللعبة فبدأت تلك الجهات تتحرك بجرأة أكثر، حاولت شراءه بوعود لتوفير الخبطات الصحافية، ثم بالمال، ثم بوضع بعض الجميلات المحترفات في طريقه. عسى أن تتمكن من إمساكه في لحظة ضعف، فربما تتمكن من السيطرة عليه، لكن اللعبة لم تنجح.
وكانت النتيجة أن الموافقات التي سعى إليها المراسل لم تتم، ولما سأل بعض العارفين بتلك البلاد عن سر التعنت معه، علم أن تلك الأجهزة كانت تريد منه ألا يتعرض مطلقا لوضع الأقلية المسلمة في تقاريره الإعلامية، وخاصة تلك التي يبثها عبر المحطة الواسعة الانتشار عربيا، فما كان منه إلا حمل أمتعته ومعداته وعاد إلى مصر.
قصة السيطرة على الإعلاميين هي جزء من لعبة كبرى، تدور في العالم السفلى للسياسة الدولية لإخضاع النخب المؤثرة في دولة ما لنفوذ دولة أخرى، خدمة لمصالحها العليا والسفلى. وأحياناً تفعل ذلك أجهزة دولة معينة باتجاه نخبها لتدجينها، وللسيطرة على الرأي العام من خلال التحكم فيها، عبر وسائل مختلفة منها المال أو الجنس.
وهذا ما حدث مع معارض عربي، إذ تم تهديده بتسجيل له وهو في وضع حميمي مع زوجته، ولما لم يرتدع زج به إلى ظلمة السجن، حيث لا يزال يتجرع مرارته. وأبشع من هذا حدث أيضا في حمى الصراع بين الدكتور مهاتير محمد مؤسس ماليزيا الحديثة وبين تلميذه السابق وغريمه فيما بعد الدكتور أنور إبراهيم.
وعادة ما تكون لعبة الجنس أكثر بذخاً بحق النخب الساذجة الباحثة عن المتعة بأي ثمن، فمن خلال التحقيقات التي أجريت في احدى الدول الأوروبية، ثبت أن أجهزة بهذه الدولة جندت ممثلات وفتيات ليل لتمرير صفقة سلاح بمليارات الدولارات، ومن أجل ذلك أنفقت ما يعادل نحو ستين مليون جنيه استرليني، على ملذات شخصيات مستنفذة بالدولة المستهدفة.
إنها لعبة دولية كبرى لا تقيم وزنا لقانون أو لدين، بل إن رجال الدين أنفسهم يسقطون فيها لتشويه الدين أو المذهب، فإبان اجتياح شارون للضفة الغربية عام 2002، تحصن عشرات الفلسطينيين في كنيسة المهد، وقامت اسرائيل بقصف الكنيسة وسط استغاثات المحاصرين.
وكي تغل الولايات المتحدة يد الفاتيكان، والكنائس الكاثوليكية على مستوى العالم، وتمنعهم من التحرك للدفاع عن الكنيسة المقدسة، تم الكشف عن تورط عدد من رجال الدين الكاثوليك الأميركيين في فضائح جنسية، فوقع الفاتيكان في حرج مزدوج تجاه ما يجري في فلسطين وفي أميركا بحق الكنيسة.
لعبة الابتزاز الجنسي ضد الفاتيكان لم تتوقف من جانب الولايات المتحدة، ففي ابريل الماضي استبق الإعلام الأميركي زيارة البابا بندكتوس إلى واشنطن، بفتح ملف الانحراف الجنسي داخل الكنيسة الكاثوليكية الأميركية. وأورد الإعلام أرقاماً تكشف تورط نحو أربعة آلاف كاهن في تلك الانحرافات. ودعا البابا إلى وضع نظم تكفل القضاء على هذه المشكلة.
ومع أسف البابا ووعوده بإنهاء هذه المشكلة، ألقى بالكرة في الملعب الأميركي، متهما المجتمع والثقافة الأميركية بتغذية مظاهر العنف والانحراف الأخلاقي، وأن ما يثار عن انحراف الكهنة هو جزء من انحراف الأخلاقيات الأميركية.
وأياً كان الأمر بشأن مدى صحة أو عدم صحة الانحراف الكنسي، فإن تصريحات بابا الفاتيكان تصب في تقديم تفسير واقعي وأخلاقي لما جرى ضد المعتقلين العراقيين في سجن أبو غريب وغيره من السجون العراقية تحت الاحتلال الأميركي، فما جرى لم يكن مجرد انحراف فردي، ولكنه ترجمة واقعية لأخلاقيات المجتمع الاستهلاكي الأميركي، الذي يستهلك الأخلاق والبشر مثلما يستهلك البضائع والسلع.
