تعد حركة العدل والمساواة أهم فصيل سياسي عسكري في دارفور. إذ استطاعت خلال الفترة الماضية أن تفرض وجودها على ساحة الأزمة في الإقليم. نشأت الحركة بعد انشقاقها عن حركة تحرير السودان سنة 2001. وتتكون في معظمها من أبناء قبيلة الزغاوة. ويرأسها الدكتور خليل إبراهيم، وهو وزير سابق للأمن في حكومة الرئيس السوداني عمر البشير.
خلال الأحداث الأخيرة في أم درمان،أثبتت الحركة أنها مغامر جريء تنقصه دقة الحسابات السياسية والعسكرية. صحيح أنها آلمت الحكومة وضربتها في مقتل، إلا أنها لم تستطع تحقيق كافة أهدافها، بل إنها تعرضت على المستوى العسكري في المحصلة النهائية لهزيمة عسكرية، إلى جانب خسارتها ردود الأفعال العربية والدولية بما فيها رد الفعل الأميركي.
وهو ما يعني أن هناك بعض التحولات في المواقف بشأن أزمة دارفور، أو أن هناك صفقات توصلت إليها الحكومة مع بعض هذه القوى. فالولايات المتحدة المناصر الأساسي لقضية دارفور بادرت على الفور بإدانة الهجوم على أم درمان، على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية الذي قال إن هذه الهجمات تنسف الجهود الدولية التي تبذل لحل النزاعات في السودان. كما ندد خافيير سولانا الممثل الأعلى للسياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي بالهجوم، مطالبا بتحرك كثيف وسريع لاحتواء أزمة دارفور.
و دعا الاتحاد الأفريقي كل الأطراف إلى ضبط النفس مؤكدا أن الهجوم على أم درمان يعرقل جهود البحث عن حل سياسي لأزمة دارفور. وعلى المستوى العربي ندد وزراء الخارجية العرب بالهجوم ووصفوه بأنه «عملية إرهابية»، وذلك في أعنف رد على ما جرى.
ودعا الوزراء الدول التي تدعم حركات التمرد المسلح (ومنها العدل والمساواة) إلى التوقف عن دعمها أو السماح باستخدام أراضيها لتهديد السودان (في إشارة ضمنية إلى تشاد). كافة ردود الأفعال هذه جاءت متوافقة مع توجهات الحكومة السودانية،وهو ما يؤكد أن الحكومة استطاعت تحويل الهجوم العسكري إلى انتصار سياسي خارجي.
أما على مستوى حركة العدل والمساواة، فيبدو أنها لم تحسب للأمر جيداً، فهي الآن مواجهة باتهام سوداني وعربي صنفها- حسب بيان وزراء الخارجية العرب- حركة إرهابية. وهو مسعى تستهدفه الحكومة السودانية، فبعد الأحداث دعت المجتمع الدولي إلى اعتبار العدل والمساواة حركة إرهابية، ورصدت مكافأة مالية تقدر بنحو مائتين وخمسين ألف دولار لمن يقدم معلومات تفيد في القبض على الدكتور خليل إبراهيم رئيس الحركة. كما تم التضييق على الحركة في دول عربية منها مصر.
وعلى المستوى الداخلي طال الهجوم أبرياء مما أثر على سمعة العدل والمساواة كحركة مقاومة أو حتى تمرد. كما طالت أضرار الهجوم سمعة الحكومة بعدما اتخذت إجراءات عشوائية سريعة لتأمين العاصمة والتغلب على نتائج ما جرى، فقامت بعمليات ترحيل على الهوية، مما أثار بعض الغضب من جانب أبناء دارفور الذين يقطنون العاصمة.
كما أثارت هذه الإجراءات منظمات حقوق الإنسان السودانية. فالحكومة قامت بملاحقات أمنية أفقدتها كثيرا من تعاطف الشارع السوداني معها، ومن ثم فان الكسب المعنوي الذي كانت تنشده الحكومة داخليا تشوه بفعل إجراءات غير مدروسة أمنياً. والمؤكد أن تجربة أم درمان رغم قسوتها على جميع الأطراف إلا أنها قد تشجع أطرافاً سودانية أخرى على تكرارها بحسابات أدق، إذا ما استمرت أزمات السودان، وخاصة أن دارفور تراوح مكانها بلا حلول عادلة.
