رجل متواضع، سمته البساطة والاجتهاد، شق طريقه من بين جبال رأس الخيمة، وألهبت الصحراء قدماه، اقترب من الناس وعاش بينهم فأحبوه، ورغم السلطة إلا أنه تمسك ببساطة الحياة، راداً نفسه إلى طبيعة البيئة التي شرب أخلاقها وبساطتها، إنه الشيخ محمد بن صقر القاسمي، رئيس نادي رأس الخيمة الثقافي الرياضي.
ورغم الدهر ما زال يختزن في صدره حكايات طويلة بدأت من منطقة السعدي التي تبعد عن رأس الخيمة نحو 40 كم، حيث كانت ولادته، لتنتقل معه بين مناطق رأس الخيمة، ففي الشتاء كان يقطن مناطق السعدي والجاهلي، أما في الصيف فكانت منطقة «أذن» الجبلية ومدينة رأس الخيمة ملاذاً له. لم يعش طفولته في قصور، إنما كانت في بيت عادي وسط أبناء شعبه، ليتربى ويلعب في صغره مع أولاد فريجه، وليخدم في كبره أبناء شعبه من خلال الأماكن التي عمل بها، حيث يعتبر كبيرهم أبا وأوسطهم أخا وصغيرهم ابنا.
يقول الشيخ محمد: «أهم ما اكتسبته خلال فترة النشأة التي تنقلت فيها بين مناطق رأس الخيمة، أنني لم اشعر يوما ما أنني ابن حاكم بقدر ما أنا ابن شعبي، ولعل هذا هو الذي اكسبني حب الناس لي، ورغم أنني أخطئ إلا أنني أحاول الاجتهاد لتقديم كل ما يفيد أبناء شعبي الذين اعتبر كبيرهم أباً وأوسطهم أخا وصغيرهم ابنا». لم تكن دراسته في مكان واحد، فقد تنقل بين مدرسة القاسمية التي احتضنته في بداية مشواره الدراسي ليتخرج منها بعد 8 سنوات، متجها إلى ثانوية رأس الخيمة حيث درس المرحلة المتوسطة، لينتقل منها إلى مدرسة دار التربية والتعليم الإسلامية في طرابلس اللبنانية، حينها لم يكن يتجاوز الـ 13 عاما، حول ذلك يقول: «بعد المتوسط ذهبت للدراسة في لبنان.
وهناك بدأت مرحلة التحول الثقافي رغم أن انتقالي إلى لبنان كان بمثابة صدمة نظرا لبعدي عن الأهل والبلد والأصدقاء، ولكن الأمل برؤية عالم جديد أجبرني على العيش فيها، وكانت مدرستي وعاء لكل الأفكار في العالم العربي من أقصى يسارها إلى أقصى يمينها، وهو ما غير من طبيعة قراءتي فكان علي أن اقرأ كل شيء لأفهم ما يدور حولي».
بعد لبنان، كانت مصر محطة التغيير الثانية في حياته، ففي جامعة القاهرة التي دخلها عام 1973 درس الفلسفة وتخرج فيها، يقول: «كان التحول إلى مصر أسهل من لبنان، لكثافة أبناء الإمارات فيها واختلاف الأوضاع بشكل عام من حيث الاتصال بالأهل ومن حيث البيئة».
لم يكن عند عودته إلى مسقط رأسه يتمتع بإجازته الصيفية، فقد كان والده يكلفه بمسؤوليات إدارة إحدى الدوائر الحكومية، ما قربه من الناس ليتلمس همومهم ويتعرف إليهم ومساعدتهم، وقد أكسبه ذلك خبرة جيدة أثرت مخزونه الثقافي والعملي.
وفي ذلك يقول: «كنت أذهب خلال إجازتي الصيفية إلى رأس الخيمة، ولم أكن أجد فيها وقتا للمتعة، فقد كان والدي في كل مرة يعينني مسؤولا في إحدى الدوائر الحكومية، وأحيانا في أكثر من دائرة، وهذا عرفني على كافة الدوائر والمؤسسات الحكومية، واعتقد ان هذا قربني أكثر من أبناء شعبي».
ورغم انه ليس لاعبا جيدا، إلا انه تعلق بالرياضة منذ صغره، ليدخل معتركها ويمارسها بشغف، وما زال حتى اللحظة يداوم عليها ويتابع أخبارها ليس على نطاق الإمارات إنما على المستوى العالمي أيضا، ففي مصر هو اسماعيلي، وفي الإمارات كان أهلاويا وأصبح خيماويا، وها هو الآن يعمل بكل جهد لإيصال نادي رأس الخيمة الذي يترأسه إلى مصاف النوادي العالمية، ولا نستغرب ذلك إذا عرفنا انه زار مؤخرا 8 دول في جولة واحدة خلال فترة لا تتجاوز أسبوعين.
وعن بدايته في الرياضة يقول: «أنا ابن بيئتين، البادية والمدينة، ومعروف ان رياضة البادية الوحيدة هي «سباق الهجن»، ولم أكن اعرف في صغري سواها بحكم البيئة التي نشأت فيها، وتفتحت عيناي على بقية الرياضات منذ اتخذت رأس الخيمة مقرا لمعيشتي، حيث عرفت كرة القدم، حينها كانت رأس الخيمة صغيرة، ولم تكن فيها ملاعب إنما كانت أرض الفريج ملاعبنا.
ومن هنا بدأت ورفاقي بمتابعة وممارسة الرياضة، ورغم ذلك لم أكن لاعبا بقدر ما كنت إداريا، وبدأت مع مجموعة من رفاقي تأسيس فرق رياضية تلعب مع بعضها البعض، دون أن تحكم هذه العملية قوانين، واستطعنا في العام 1967 أن نؤسس أول ناد رياضي وهو «نادي النصر» وكان صغيرا وبسيطا.
بعد فترة التحقت بالنادي الأهلي، ولم يكن قانونيا لعدم وجود ترخيص، وكنا في مرات عدة نقوم بتأجير غرفة في إحدى البيوت لنحولها إلى مقر لإدارة النادي، واستمرت هذه العلاقة حتى انتقلت إلى لبنان وتوقفت عن متابعة الرياضة الخيماوية.
ولم يكن في مدرستي بطرابلس وجود لكرة القدم بل كان الاهتمام منصبا على كرة السلة والطائرة، ورغم ذلك بقيت متابعا لأخبار كرة القدم بشكل عام، ومتابعا لمباريات فريق طرابلس، وأذكر في إحدى المباريات التي أقيمت بين فريقي طرابلس وزغرتا، وانتهت لصالح فريق طرابلس ان الملعب قد تحول في نهاية المباراة إلى ما يشبه ساحة الحرب لشدة ما أطلق فيه من رصاص فرحا بالفوز. وجدت مبتغاي بعد انتقالي إلى بعقلين، حيث كان في المدرسة ملعب لكرة القدم إلى جانب ألعاب القوى، ما أعادني إلى كرة القدم مرة أخرى بعد انقطاع.
تأصلت علاقتي بكرة القدم بعد انتقالي إلى مصر لأدخل عالم الرياضة من أوسع أبوابه، حيث كنت وما زلت أشجع النادي الاسماعيلي، واذكر أنني وعددا من الطلبة الإماراتيين قد انضممنا لفترة وجيزة إلى نادي الزمالك.
حيث كنا نتدرب فيه ولم استمر طويلا معهم بسبب عدم احترافي في الملعب، ومن ابرز الوقائع التي أتذكرها ما حدث في مباراة فريقي الزمالك و«الدوكلابرا» اللذين التقيا على ملعب الزمالك الذي يتسع لـ 45 ألف مشجع، واذكر يومها انه تواجد فيه نحو 90 ألف مشجع، ما أدى إلى انهيار جزء من المدرج وذهب ضحيته 48 شخصا بينهم طفل عُماني، وجرح نحو 47 شخصا.
وبعد عودتي من مصر إلى رأس الخيمة، انضممت إلى نادي الإمارات الذي جاء نتيجة لاندماج أندية الأهلي والشعب والاتحاد عام 1969 في «نادي عمان» الذي تحول إلى القادسية في 1982 ثم تغير إلى الإمارات عام 1984، وعملت فيه لمدة عام تقريبا وكنت مسؤولا عن كرة القدم، وبسبب خلافي مع بعض الإخوان في النادي قدمت استقالتي.
وعلى اثرها انضممت إلى نادي رأس الخيمة، بناءً على طلب مسؤوليه وكان ذلك عام 1979، وبالفعل وافقت على ذلك وشغلت منصب رئيس النادي، ومنذ ذلك الحين وأنا فيه. خلال هذه الفترة لم يحدث تطور يذكر على مستوى الرياضة الخيماوية، بل كان الأمر صعودا وهبوطا وسبب ذلك هو عدم توفر الإمكانيات المادية لأندية رأس الخيمة.
واعتقد أنني اجتهدت وما زلت اجتهد في تجربتي مع نادي رأس الخيمة، والاجتهاد يحتمل الصواب والخطأ، واعتبر أن كل ما قدمته إنما هو خدمة لأبناء بلدي، ومؤخراً زرت النمسا والبرتغال وبلجيكا وبحثت مع أنديتها سبل دعم النادي وتدريب أبنائه تمهيداً لاحترافهم.
غسان خروب


