في حياة كل شعب تاريخ وتراث لا يحيد عنه مهما بلغ من المدنية لان هذا التراث هو التأريخ والتأصيل للبدايات التي بنيت عليها الدولة او المدينة، دبي لم تنسلخ عن عاداتها رغم مدنيتها فتراها لا تفتأ ان تعود للماضي في كل لحظة من خلال المحافظة على مناطقها التراثية وكذلك عاداتها، في دبي يتعانق القديم مع الحديث وكل يبوح للآخر بأسراره والحكايات التي تمت خلف أسواره فالأبراج الشاهقة تنظر بشرف إلى أبنية شاخت وطال عمرها وخزنت من الحكايات ما يملأ مجلدات وكتب.

أبنية يعمل عليها ليل نهار من البلدية ومن قبل قسم المباني التاريخية بقيادة المهندس رشاد بوخش الذي يعتبر رمزا كتلك المباني من ترميم وصيانة فنرى الشندغة وقرية حتا وبيت الشيخ سعيد والبستكية والتي تقع شرقي المدينة في بر دبي، وتمتد بمحاذاة الخور لمسافة نحو ثلاثمائة متر، وعمقها باتجاه الجنوب نحو مئتي متر. وقد كانت تسكنها عائلات غنية قادرة على الحفاظ على تلك المباني بحالة جيدة، ولكن بتركها تلك المساكن انتقالاً إلى المناطق الجديدة خلال الحقبة النفطية، تركت تلك المناطق مأوى لطبقات محدودة الدخل أو من غير سكان المدينة الأصليين، مما أدى إلى تدهور واضح في حالتها. كان هذا الحي يضم أكثر من ستين وحدة سكنية، وكانت معظم هذه الوحدات تتكون من دورين، وكان يفصل بين الوحدات وبعضها عن طريق الأزقة المنفرجة الضيقة وتتميز المنطقة بالبراجيل الشاهقة، والزخارف الجصية، وأعمال النجارة والتي تجذب أنظار زوار المدينة، كما تترك انطباعات عميقة لدى كل من شاهدها.

المنطقة تمثل مرحلة مهمة في تاريخ العمارة، والتطور المدني، والحضري للمدينة. وقد تشكلت ركيزة أساسية من المعارف المعمارية من خلال أساتذة البناء، الذين نفذوا مبانيها، وتركوا بصماتهم عليها. وقد أكد المهندس رشاد بوخش مدير إدارة التراث العمراني في بلدية دبي أن البنائين الذين وضعوا اللبنات الأولى هم الأستاذ محمد البنا وأولاده الأستاذ عقيل وبعضهم متخصص مثل عبد الرحيم البنا في أعمال الجص والزخارف حيث امتد نشاطهم إلى دبي والشارقة وقصر الحصن في أبوظبي وجزء من بيت الشيخ سعيد.. واكد بوخش ان المنطقة استوت على شكلها الحالي خاصة وأن أعمال الترميم ستنتهي مع نهاية 2008 لآخر مبنى وكون المنطقة محاطة من جميع الجهات فلن يتم التوسعة وستبقى على شكلها الراهن حيث يحدها المقبرة من جهة الشرق والسوق والمتحف والديوان من الغرب والخور من الشمال والمباني التجارية من الجنوب.

وحرصنا مع نهاية الترميم على وضع اللمسات الأخيرة على فنادقها الثلاثة والذي يحتوي كل واحد منها على 8 إلى 10 غرف بالإضافة إلى المطاعم العشرة والمئة محل للتسوق والمعارض. وأكد مدير إدارة التراث العمراني في بلدية دبي إننا في طور تسجيل منطقة البستكية والشندغة وقرية حتا في التراث العمراني العالمي.

يقوم مشروع الترميم على إبراز الشخصية المعمارية للمنطقة، وذلك بتدعيم وإزالة المستحدثات المعمارية، وترميم المباني، والسكيك بهدف الحفاظ على الطابع التقليدي للمنطقة. بلغ عدد مباني المنطقة 57 مبنى، وقد تم الانتهاء من ترميمها جميعا إلا واحدا سينتهي العمل فيه نهاية هذا العام.

لتحقيق هذا الهدف بهذه المنطقة المهمة، تم إعداد مقترح تطوير المنطقة، ثم تعيين فريق عمل، وتحديد برنامج تنفيذي حسب مراحل ثلاث مهمة واعية، تتناسب والمنهجية الدولية بالحفاظ على التراث العمراني، وقد قطع القسم شوطاً كبيراً من مراحل هذا المشروع الفاعل وسيعمل على إنجازه بالوقت المتوقع له.

بدأ المشروع بتجميد معاملات المباني بالمنطقة لحين الانتهاء من إجراء المسوحات الشاملة عن المباني 57مبنى، واقتراح برنامج العمل للحفاظ على المنطقة من خلال عدة خيارات تصميمية وتنفيذية تقوم على تطوير الخدمات، والمرافق العامة بالمنطقة. وامتلاك الدائرة للمباني للتحكم فعليا في الاستعمالات بإعلان المنطقة كمنطقة للصيانة، والمحافظة. ومن ثم قام قسم المباني التاريخية بالمراحل الثانية، والثالثة للمشروع، حيث تم تطوير مخطط الاستخدام للمباني الموجودة حالياً، ليشمل المباني ذات الطابع المتحفي، والمباني الغالب عليها الطابع التراثي التجاري، خاصة في المنطقة المطلة على شارع الفهيدى.

وتضم البستكية بقايا السور التاريخي الذي شيد أواخر القرن السابع عشر ليحيط بالمدينة القديمة في بر دبي وتشمل حصن الفهيدي، والمسجد الجامع وعددا من المساكن، وذلك لحماية المدينة من الهجمات الخارجية، وكانت توجد على السور ثلاثة أبراج للمراقبة والاستكشاف والدفاع عن المدينة، وبُني من الحجارة البحرية والجص ونظراً للتوسع في نطاق المدينة فقد أزيل السور أوائل القرن العشرين، ولم يبق منه سوى أجزاء من القواعد التي نراها في البستكية، وأعيد ترميمها من قبل قسم المباني التاريخية في بلدية دبي قبل خمسة أعوام. والهدف لم يكن استعادة الشكل التاريخي بل إعادة الحياة بكافة ألوانها إلى هذه المنطقة وجعلها مكاناً مكتمل المرافق والخدمات يصلح للسكن والعمل والتسوق والسياحة.

ففيها 10 مطاعم تراثية وفنادق ومحال تجارية ، كما تضم مكاتب حكومية وشبه حكومية ومقار جمعيات النفع العام، فهناك دار الندوة التي تشهد انعقاد المؤتمرات والندوات والمحاضرات والمؤتمرات الصحافية على مدار العام، ومركز الشيخ محمد للتواصل الحضاري، وجمعية الصحافيين، إضافة إلى جمعية الحفاظ على التراث العمراني، ومكاتب الصندوق الدولي لحماية البيئة، وجمعية هواة الطوابع.

تنتشر في منطقة البستكية البيوت التقليدية القديمة المبنية من الصخور البحرية والجص، وتتميز هذه البيوت بالأبراج الهوائية والأحواش والطرقات الضيقة بين البيوت (السكيك) والتي تعطي ظلا أكثر على الجدران وتساعد في زيادة سرعة الرياح، وتعتبر هذه المنطقة من المناطق التراثية النادرة الباقية في منطقة الخليج والتي ظلت محافظة على طابعها المعماري. يمكن للزائر الإطلاع على عناصر العمارة التقليدية كالأبواب الخشبية المنقوشة والنوافذ الخشبية والزخارف الجصية والتيجان والأقواس.

مراحل العمل في المنطقة

ـ المرحلة الأولى: شملت تطوير الخدمات والمرافق العامة بالمنطقة وتمت في عام 1996م.

ـ المرحلة الثانية: بدأت عام 1996م، حيث يتولى قسم المباني التاريخية تنفيذ مشاريع الترميم لمباني المنطقة وفق برنامج عام ومن المتوقع أن تستغرق هذه المرحلة حوالي عشر سنوات، واستخدام هذه المباني كمتاحف ومطاعم وأسواق ومباني مكتبية وسكنية.

دور ثقافي

أعمال الترميم التي بدأت قبل عشر سنوات لإعادة تأهيل كامل المنطقة والحفاظ على خصوصيتها العمرانية والمعمارية، هدفت إلى أن تكون البستكية منطقة تنشيط للسياحة حيث تضم المتاحف والمراكز والمعارض والأسواق التقليدية، ومن تلك الأبنية التي تلعب دوراً مهماً في الحياة الثقافية هي دار الندوة، المبنى الذي شُيد في العام 1925 يتألف من طابقين ويعتبر من المباني ذات القيمة التاريخية الغنية بعناصرها.

عبد المنعم الشديدي