عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، أعلنت واشنطن أنها دخلت في مرحلة جديدة عنوانها الكبير «الحرب على الإرهاب»، وتحت ذلك العنوان شنت حربها على أفغانستان للإطاحة بنظام طالبان وإلقاء القبض على مسؤولي تنظيم القاعدة المسؤول عن تنفيذ الهجمات على نيويورك وواشنطن، وبعد ذلك قامت بغزو العراق للإطاحة بنظام صدام بذريعة أنه يشكل خطراً على الولايات المتحدة ومصالحها. هاتان الحربان شنتهما واشنطن بشكل مباشر أي أنها أرسلت قواتها على الأرض لتنفيذ أهدافها، ولكن هناك حروب أخرى شنت بالوكالة ومنها الحرب على الصومال التي تمت بواسطة القوات الإثيوبية.
غير أن هذا لا يعني أن الولايات المتحدة غير متورطة في تلك الحرب. فقد قامت الطائرات التابعة لسلاح البحرية الأميركي بشن هجمات على أهداف داخل الصومال بحجة أنها تستهدف قيادات بارزة في تنظيم القاعدة، كما أنها كان لها دور كبير في التخطيط للغزو الإثيوبي للصومال ودعمه بالسلاح والمال. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو ما الهدف الحقيقي من وراء هذه الحرب التي تشنها الولايات المتحدة بالوكالة؟
الهدف غير المعلن
يرى المراقبون والمحللون للسياسة الخارجية الأميركية أن الهدف غير المعلن للحرب الأميركية غير المباشرة في الصومال هو السيطرة على ثروات هذا البلد، حيث تشير التقديرات إلى أن هذا البلد الإفريقي الصغير يجثم على ثروات هائلة من النفط والغاز الطبيعي ناهيك عن المعادن الأخرى وعلى رأسها اليورانيوم. وبحسب معلومات أميركية المصدر، فإن الصومال يملك احتياطياً مؤكداً من الغاز الطبيعي يربو على 200 مليار قدم مكعب، بالإضافة إلى كميات غير محددة من النفط المؤكد في شمال الصومال. وهناك هدف استراتيجي آخر لا يقل أهمية عن الهدف الأول وهو الاستفادة من موقع الصومال في القرن الإفريقي وإطلالته على البحر الأحمر الذي تمر منه ناقلات النفط الخليجي باتجاه قناة السويس في طريقها إلى الأسواق العالمية.
يعود اهتمام الولايات المتحدة بالصومال لفترة الحرب الباردة حيث كانت تدعم نظام زياد بري قبل أن يسقط في عام 1991 وتنشب الحرب الأهلية هناك. وكانت أربع شركات نفط أميركية قد وقعت اتفاقيات مع نظام بري المخلوع حصلت من خلالها على امتيازات للتنقيب عن النفط والغاز الطبيعي واستخراجه في سنوات الثمانينات من القرن الماضي. ولكن اندلاع الحرب الأهلية في 1991 حال دون المضي قدماً في تنفيذ تلك الاتفاقيات.
وحاولت واشنطن أن تحافظ على تلك الامتيازات من خلال تدخلها في الصومال عام 1992 بحجة تأمين قوافل الإغاثة الإنسانية العالمية التي كانت ترسل إلى الشعب الصومالي الذي كان يعاني من ويلات الحرب الأهلية والمجاعة. غير أن تلك المحاولة باءت بالفشل بل وتحولت إلى كابوس ما زال يؤرق الأميركيين عندما سحل الصوماليون طاقم طائرة مروحية أسقطت فوق مقديشو، مما اضطر الولايات المتحدة إلى سحب قواتها من هناك.
إن هذا الاهتمام الغربي في الصومال واستخدام إثيوبيا أداة لتنفيذ مآربه ليس جديداً، ففي أواخر القرن التاسع عشر الميلادي تقاسمت القوى الأوروبية الثلاث بريطانيا العظمي، فرنسا وايطاليا أراضي الصومال الكبير وقد أشركت هذه الدول أثيوبيا في هذا التقسيم الاستعماري فحصلت بريطانيا على ميناء بربره لتأمين المواد الغذائية لقواعدها في عدن ثم توسعت نحو المناطق الداخلية لتحتل شمال الصومال، أو ما يعرف بـ (صومالي لاند) في الوقت الذي حصلت إيطاليا على الجزء الأكبر من الأراضي الممتدة من بوساسو حتى ميناء كسمايو في الجنوب، بينما حصلت فرنسا على ميناء جيبوتي والمناطق الغربية فيها. ونجحت الإمبراطورية الإثيوبية باقتطاع إقليم أوغادين الذي نشبت بسببه حربين بين الصومال وإثيوبيا ولا تزال هناك حركة مقاومة وطنية تسعى إلى الانفصال عن إثيوبيا والعودة إلى الوطن الأم.
وهذا التقسيم اتبع سلسلة من التنازلات والمساومات السرية ليصبح الصومال الكبير ضحية لأربع قوى استعمارية مارست فيه كل أنواع العنصرية والدكتاتورية والاضطهاد، الأمر الذي مزق وحدة الصوماليين عن طريق زرع الفتن بين قبائله، وطمس ثقافته العربية والإسلامية، تمهيداً للقضاء عليه، وما انهيار الدولة الصومالية في العام 1991م، إلا نتيجة لتدخل الأوروبيين في نهج التطور الطبيعي للمجتمع الصومالي، مما أحدث اضطراباً في البنية التحتية للنمو الطبيعي لحركة المجتمع الصومالي.
سياسة نشر الفوضى
إن ما فعلته الدول الاستعمارية في الماضي يشبه ما تقوم به الولايات المتحدة وحلفاؤها اليوم، فقبل الغزو الإثيوبي الأخير كانت الصومال قد بدأت تنعم بالاستقرار والهدوء بعد أن نجحت المحاكم الإسلامية في بسط سيطرتها على معظم الأراضي الصومالية، وأخذ المواطن الصومالي يشعر بأمل في العيش حياة كريمة وآمنة. لكن إدارة جورج بوش لم يرق لها ذلك السلام والاستقرار، فأخذت تروج لمزاعم تقول إن تنظيم القاعدة يبني قواعد له في الصومال، وأن ذلك يشكل خطراً على مصالحها ومصالح حلفائها في المنطقة.
أما الحقيقة فهي أن سياسة واشنطن تقتضي نشر الفوضى في الأماكن التي تفشل فيها في تنصيب حكام موالين لها. وإذا كان هناك وصفة لحرب دموية ومطولة في الصومال، فإن تلك الوصفة ليست سوى الاحتلال الإثيوبي.
صحيح أن الجيش الإثيوبي تمكن من احتلال الصومال وطرد ميليشيات المحاكم الإسلامية في فترة قصيرة نسبياً نتيجة لاختلال التوازن في القوى، إلا أن ذلك الفعل عمل على توحيد الشعب الصومالي بكافة أطيافه في مقاومة مسلحة ضد الغازي الإثيوبي، وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى البحث عن بديل للقوات الإثيوبية ينشر باسم الأمم المتحدة كقوات لحفظ السلام. فقد أدركت واشنطن أنها بمخططها الذي نفذته إثيوبيا قد أثارت كماً من الفوضى يفوق قدرتها على السيطرة عليه.
