ربما يكون باراك أوباما أقرب من أي وقت مضى لإلحاق الهزيمة بمنافسته هيلاري كلينتون على الفوز بترشيح الحزب الديمقراطي لخوض الانتخابات الرئاسية الأميركية، ولكن الخاسر الحقيقي في هذا السباق الانتخابي هو الشعب الأميركي ومعه شعوب العالم التي تتابع باهتمام التغطية الإعلامية للمعركة الدائرة بين المرشحين الديمقراطيين أنفسهم والمرشح الجمهوري جون ماكين.
فهناك شعور متزايد لدى المواطن الأميركي والمراقب الخارجي بأن معظم وسائل الإعلام الأميركية قد وقعت في أخطاء وانحرفت عن مبادئ مهنة الصحافة بتضخيم الأمور التافهة وتجاهل المضمون السياسي المهم. لقد شهدت العقود القليلة الماضية ميلاً متزايداً لدى وسائل الإعلام الأميركية نحو الشكل على حساب المضمون. وتحت غطاء الصحافة، أغرقت وسائل الإعلام المواطن الأميركي بتقييمات وتحليلات لفرص المرشحين للانتخابات الرئاسية وكأنهم ممثلون مسرحيون لا أشخاصا يحملون فكراً ورؤية سياسية. وهكذا كان التركيز منصباً على القضايا الشخصية للمرشحين وعلى زلات اللسان وليس على القضايا الجوهرية ومواقفهم منها.
إن ما نتحدث عنه هنا لا ينحصر في سلسلة من أخطاء المهنة وإنما يرقى إلى مستوى الخذلان، أي خيانة الثقة التي يوليها المواطن للسلطة الرابعة، فمرجعية الصحافي المؤلفة من نقطتين يجب أن تكون للحقيقة والأهمية. ولكن المتتبع للتغطية الإعلامية الأميركية للانتخابات الحالية يرى أن التركيز منصب على التوافه من الأمور. فكل تفصيلة غير مهمة يجري تضخيمها بشكل كبير بحيث تصبح النملة فيلاً بينما يجري تهميش القضايا المهمة للمواطن. وبحسب تقرير صادر عن «مشروع التميز في الصحافة»، وهو مؤسسة بحثية تعنى بالحفاظ على مصداقية المهنة وأخلاقها، فإن أكثر من 60% من التغطية الانتخابية لوسائل الإعلام الأميركية تركز على استراتيجيات الحملات الانتخابية وتكتيكات المرشحين وشخصياتهم ولا تركز على المضمون السياسي الواقعي، وهو ما يفقدها التوازن.
وعلى سبيل المثال، فإن الجمهور المتابع لوسائل الإعلام الأميركية يعرف عن سعي هيلاري كلينتون لكي تبدو شخصاً محبباً أكثر بكثير مما يعرف عن موقفها من الأسلحة النووية. كما أنه يسمع تحليلات حول ما إذا كانت تعكس صورة الشخص الذي يهتم بالآخرين أكثر بكثير مما يسمعه عن حرصها على إبقاء صناعة التأمين المدفوعة بالربح في مركز الرعاية الصحية في البلاد. إن صورة هيلاري بعينيها المغرورقتين بالدموع أثناء ردها على سؤال من أحد الناخبين عشية الانتخابات التمهيدية في ولاية نيوهامبشاير كانت موضوع نقاش مستفيض على شبكات التلفزة الوطنية في الولايات المتحدة التي بثت الصورة بشكل متكرر خلال نهار اليوم الذي سبق الانتخابات وخلال الليل، وهو ما أثر بحسب المراقبين على نتائج الانتخابات في تلك الولاية والتي جاءت في صالح كلينتون. وبعد أن ظهرت النتائج، سارع المحللون السياسيون الذين ظهروا على وسائل الإعلام إلى القول إن تلك الصورة كانت مهمة للغاية بالنسبة للناخبين وتناسوا ذكر من جعلها بتلك الأهمية عبر فرضها على المشاهد.
راقصو الباليه السياسي
لقد أصبح الشكل هو الشغل الشاغل لما يسمى بالصحافيين السياسيين. وإذا كان هناك من فروقات سياسية مهمة بين كلينتون وخصمها أوباما، فإنك لن تعرف بهذه الفروقات من خلال الجزء الأعظم من التغطية الإخبارية. وبين الانتقادات الإعلامية للأسلوب والتحليل المتواصل من الصحافيين لأداء المرشحين، يخال للمراقب أنه أمام راقصي باليه أو خيول أصيلة في سباق وليس أشخاصاً يخوضون منافسة على ترشيح حزبهم لمنصب رئيس الولايات المتحدة التي تعتبر أقوى دولة في العالم، وأي تغيير أو تطور فيها يؤثر على العالم أجمع.
إن معظم الصحافيين الأميركيين المتخصصين في التحليل السياسي قد باتوا أشبه بنقاد المسرح الذين يتعين عليهم المضي قدماً في تحليل الأداء على المسرح بالنسبة للمرشحين، وبالتالي، فقد اعتادوا على البحث عن القصص السطحية المبسطة وتجاهل القضايا الأساسية التي تهم الناخب الأميركي كالحرب في العراق والوضع الاقتصادي المتدهور وموضوع التأمين الصحي والتعليم وغيرها من القضايا.
وقد ركز الصحافيون جل اهتمامهم على مسائل تافهة من قبيل عدم ارتداء باراك أوباما للدبوس الذي يحمل العلم الأميركي واعتبروا أن ذلك دليلاً على ضعف وطنيته ومسألة ما إذا كان لجون ماكين عشيقة قبل ثماني سنوات وعدم صحة رواية هيلاري كلينتون حول تعرضها لنيران القناصة في زيارتها للبوسنة في عام 1996. وكانت هيلاري قد زعمت أنها سمعت نيران القناصة لدى هبوط طائرتها في البوسنة، ولكن الصور التلفزيونية الأرشيفية التي التقطت تلك الزيارة أظهرت استقبال كلينتون في المطار من دون أن يكون هناك إطلاق نار من أي نوع.
لا شك بأن هذا الأمر سبب حرجاً لكلينتون ودفعها إلى الاعتذار، ولكنه في الواقع ليس ذا أهمية بالنسبة للناخبين. وحتى موضوع راعي الكنيسة التي ينتمي إليها أوباما، جيرمايا رايت، الذي قال في إحدى خطبه: «لعن الله أميركا» بدلاً من المقولة الشهيرة «بارك الله أميركا»، لا يستحق كل الضجة الإعلامية التي أثيرت حوله لأن كل شخص يتحمل مسؤولية ما يصدر عنه من كلام لا ما يصدر عن غيره.
التحيز الإعلامي الواضح
يلاحظ المراقب لوسائل الإعلام الأميركية تحيزاً في تغطية الأخبار المتعلقة بالمرشحين، فنجد على سبيل المثال تركيزاً مكثفاً على كل خبر يمس باراك أوباما ولا نجد الدرجة نفسها من التركيز على الأخبار المتعلقة بجون ماكين مثلاً، وكلاهما مرشحان للانتخابات الرئاسية التي ستجرى في نوفمبر المقبل.
وعلى سبيل المثال، حظيت المزاعم حول علاقة تربط بين أوباما ومطور العقارات من شيكاغو توني ريزكو، وهو أميركي من أصل سوري متهم بتلقي رشاوى ـ حظيت بتغطية إعلامية تزيد بثلاثة أضعاف عن التغطية التي حصل عليها موضوع اتهام ماكين بتقديم خدمات سياسية لأحد أفراد جماعات الضغط ويدعى فيكي آيزمان.
إضاءة
مبادئ الصحافة الأميركية
هناك تسعة مبادئ تحكم العمل الصحافي في الولايات المتحدة الأميركية وأبرزها:
ـ الالتزام بالحقيقة: والمقصود بها الحقيقة العملية وليس المطلقة أو المفهوم الفلسفي لها.
ـ الإخلاص لقضايا المواطنين، بمعنى الاهتمام بالمصلحة العامة وإعلاؤها على كل شأن آخر.
ـ اعتماد نظام التحقق من المعلومة الذي يميز الصحافة عن أنماط الاتصال الأخرى.
ـ الحفاظ على استقلالية الصحافي عن الموضوعات التي يغطيها
ـ يجب أن تكون الصحافة مراقباً مستقلاً للسلطة من أجل ضمان الحرية للمواطن.
ـ يجب أن توفر منبراً لانتقادات وآراء الجمهور، وأن تعرض وجهات النظر المختلفة.
ـ يجب أن تحرص على تغطية الموضوعات المهمة وتجعلها مقبولة لدى المواطن.
ـ يجب أن تكون تغطيتها شاملة ومتوازنة.
ـ يجب أن يسمح للصحافي بأن يحكم ضميره وإحساسه الشخصي بأخلاقيات المهنة.
ضرار عمير



