يعد ملف الدعم من الملفات الشائكة في مصر والحديث بشأنها عبارة عن سير في حقل ألغام شديد الانفجار ولذلك يفضل الكثير من المسؤولين عدم الاقتراب منها.. ولكن بعد أن طالب الرئيس حسني مبارك بتحقيق العدالة الاجتماعية لكل المواطنين من خلال إعادة هيكلة الدعم ووضع آليات جديدة له بدأت الحكومة تطرح تصوراتها التي تصب في تحويله إلى دعم نقدي بدلا من وضعه الراهن كدعم عيني لا يصل في أحيان كثيرة إلى مستحقيه.

وعلى الرغم من حرص كبار المسؤولين بالدولة على تأكيد التزام الدولة بمسؤوليتها الاجتماعية تجاه الشعب وخاصة محدودي الدخل وأن الوضع لا يتعدى كونه إعادة هيكلة لنظام الدعم السلعي للتأكيد على وصوله لمستحقيه وظهور هذا بوضوح من خلال تأكيدات الرئيس مبارك على ذلك في مناسبات مختلفة وكذلك رئيس الحكومة المصرية الدكتور أحمد نظيف إلا أن هناك حالة من الخوف والريبة والشك بشأن مدى التزام الحكومة بالبعد الاجتماعي واستغلال دعوة الرئيس مبارك إلى ترشيد الدعم والتأكد من وصوله إلى مستحقيه في التأثير على الطبقات الفقيرة وإلغائه بصفة كاملة مما دفع بعض الخبراء للتحذير من مغبة ذلك على البعدين الاجتماعي والسياسي.

ضرورة ولا يمكن إلغاؤه

الدكتور علي لطفي أستاذ الاقتصاد ورئيس وزراء مصر الأسبق وصف الدعم بأنه ضرورة ولا يمكن إلغاؤه، أو حتى مجرد التفكير في إلغائه وتكمن ضرورة الدعم - كما يقول - في أهميته لمحدودي الدخل، أو الذين يعيشون تحت خط الفقر وهم مستحقو الدعم، ولكن نظام الدعم الحالي «دعم عيني» له مساوي عديدة من أهمها أن جزءا كبيرا منه لا يصل إلى مستحقيه فالجزء الأكبر يتسرب إلى غير مستحقيه .. مشيرا إلى أن هذا تسبب مع عوامل أخرى في عجز الموازنة، مما أدى إلى تشوه الأسعار، ومن ثم عدم تخصيص الموارد بطريقة علمية اقتصادية.

ويضيف الدكتور علي لطفي أن الدعم قد تطور حتى وصل إلى أرقام فلكية نتيجة ارتفاع الأسعار العالمية، والزيادة السكانية فقد بلغ 56 مليار جنيه في موازنة العام الحالي، وإذا أخذنا في الاعتبار زيادة الأسعار العالمية خاصة في الأشهر الأخيرة نجد أن الدعم قد وصل إلى 65 مليارا. (الدولار الأميركي يساوى 5,5 جنيهات مصرية تقريبا».

ويطالب الدكتور لطفي بإيجاد حلول بديلة وهذه الحلول تختلف من سلعة إلى أخرى، ومن خدمة إلى أخرى، مثال ذلك الكهرباء فيجب إعادة النظر في هذا الدعم الذي وصل إلى 5 ,2 مليار جنيه، بمعنى أن تقسم إلى شرائح حيث يرفع على الأثرياء ويدفع الفقراء الحد الأدنى حسب شريحة الاستهلاك.

الدعم النقدي بشروط

ويرى الدكتور مصطفى السعيد رئيس اللجنة الاقتصادية بمجلس الشعب المصري «البرلمان» أن الدعم بصورته الحالية بدأت تتضخم سلبياته، فلابد من التحول إلى الدعم النقدي، لأن عبء الدعم على الموازنة العامة زاد بشكل واضح نتيجة ارتفاع الأسعار العالمية خاصة المدعمة مثل القمح والبترول ووسائل النقل، كل ذلك أثر بشكل واضح، فحجم الدعم زاد بدرجة كبيرة، وعبئه على الموازنة العامة وصل الى 65 مليار جنيه.

إضافة إلى اتساع الفارق بين السعر المدعم وسعر السوق، ناهيك عن بعض السلوكيات المرفوضة، وتضخم السوق السوداء، فالدعم لا يصل إلى مستحقيه مما أدى إلى تشويه التوزيع الأمثل للموارد فنظام الدعم الحالي أصبح كالجسد المريض بالسرطان لابد من استئصال الأورام الموجودة به فالمبالغ التي يتم تخصيصها للخدمات الأساسية من مرافق وتعليم وصحة وطرق وغيرها تذهب معظمها إلى الدعم، فالموارد المتاحة تقل لأن الدولة تقتطع من ميزانية هذه القطاعات حتى تغطي الدعم.

نمو اقتصادي سريع

أما الدكتورة أمنية حلمي أستاذ الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة فقد أعدت دراسة عن كفاءة وعدالة سياسة الدعم في مصر طرحت فيها التحول من الدعم السعري إلى الدعم النقدي المشروط فقالت: إن الخبرة الدولية تؤكد أن أفضل وسيلة لحماية الفقراء وتخفيف العبء عن محدودي الدخل وتقليل حاجتهم للدعم هي تحقيق نمو اقتصادي سريع وعادل ومستدام يساعد على توفير فرص عمل جديدة مرتفعة الإنتاجية ورفع مستويات الدخول وتحسين نمط توزيع الدخل، وأن يتوازى هذا مع تطبيق سياسة قومية للأجور تحقق التوازن بين هيكل الأجور، وتكلفة الحصول على الاحتياجات الأساسية للمواطنين، ومتوسط مستوى الإنتاجية في الاقتصاد القومي، وفي حالة تحقيق تقدم ملموس في هذه المجالات يمكن التحول من دعم أسعار السلع والخدمات إلى الدعم النقدي المشروط.

وتؤكد الدكتورة أمنية أن التحول من الدعم السعري إلى الدعم النقدي المشروط يساعد على رفع الكفاءة الاقتصادية من خلال وجود سعر واحد معلن ومعروف لكل سلعة أو خدمة يتحدد وفقا لقوى العرض والطلب في السوق، مما يحافظ على الحوافز السعرية السليمة لكل من منتجي السلعة أو الخدمة لمستهلكيها.

وتضيف أن كثيرا من دول العالم مثل المكسيك والبرازيل وشيلي وكولومبيا وجامايكا وروسيا وتركيا وجدت أن توجيه الدعم للأسر الفقيرة ومحدودة الدخل مقابل التزامها بإلحاق أطفالها بالمدارس وانتظامهم بها ومرور الأسر على المراكز الصحية بانتظام والحد من عمالة الأطفال يساعد على تحسين الدخل وتخفيف حدة الفقر على المدى القصير، ويحقق مزيدا من العدالة الاجتماعية، وقدرا كبيرا من القبول السياسي.

ويلخص الدكتور سمير مصطفى أستاذ الاقتصاد بمعهد التخطيط القومي رأيه في أن الدعم ليس طعاما وشرابا فقط بل هو متصل بكل مناحي الحياة من مسكن ومواصلات ونفقات المعيشة أي برحلة الحياة اليومية بكل همومها ومشقاتها.

ويصف صعوبة التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي بقوله «إن هذا التحول فيه خطورة ومغامرة كبيرة ويحتاج إلى أجهزة إدارية تدير هذا البرنامج لما له من أهمية، وللأسف أثبتت التجربة أن ملكاتنا في الإدارة ملكات محدودة، فبرنامج الدعم يحتاج إلى كلفة عالية وكوادر مدربة».

ولا ينكر الدكتور سمير مصطفى أن منظومة الدعم تحتاج إلى هيكلة وإلى إعادة هيكلة من جديد سواء كان هذا الدعم عينيا أو نقديا فالدعم ـ وعلى مدار تاريخه ـ قلل من نطاق الفقر ووفر الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية للمواطنين لحمايتهم من سوء التغذية، ولولا وجود الدعم لكان شكل الفقر الآن أشد بؤسا.

ويشير إلى أن الدعم يستند إلى أرقام غير واقعية، فبعض التقديرات ترى أن 90 في المئة من الأسر المصرية تملك بطاقات تموينية سواء حمراء أو خضراء وهذا يرفع من كلفة الدعم، فموازنة الدعم ترتفع لأن 90 في المئة من الأسر تحصل على هذه البطاقات، وهذا بدوره يؤدي إلى تسرب الدعم إلى فئات لا تستحقه، هذا فضلا عن الأبواب الخلفية لتسرب الدعم.

إضاءة

التحول من الدعم السعري إلى الدعم النقدي المشروط يساعد على رفع الكفاءة الاقتصادية من خلال وجود سعر واحد معلن ومعروف لكل سلعة أو خدمة يتحدد وفقا لقوى العرض والطلب في السوق، مما يحافظ على الحوافز السعرية السليمة لكل من منتجي السلعة أو الخدمة لمستهلكيها.