أنا من المتعاطفين مع الممثلين والممثلات ممن يجرون عمليات تجميل، ذلك أن رأسمال الواحد منهم هو شكله ووسامته، فالشكل هو سلاحه لكسب العيش. وكلما كان الممثل وسيما وموهوبا، كلما كان الإقبال عليه أكبر، وكانت الشهرة أكثر، فالموهبة وحدها لاتكفي ـ على إطلاقها ـ في عالم الفن.
ولو قارنا وسامة بعض الممثلين والممثلات قبل وبعد عملية التجميل، فسوف نكتشف أن تغييرا حدث لصالحهم في سوق الفن، وذلك بغض النظر عما إذا كان ذلك التغيير حلالا أم حراما، فتلك قضية أخرى أعمق طرحا.
ما يهمني هو أن ظاهرة التجميل مع التمثيل، تنتشر بقوة في ميدان السياسة العربية، إذ أن بعض ساستنا ممن نال منهم زمن الهزائم، يفعلون ما يفعله الممثلون. فالسياسي العربي من هؤلاء يسعى تحت ضغط الإفلاس الداخلي إلى تجميل صورته خارجيا، ولو بالهرولة وراء إرضاء العدو، على حساب الجغرافيا والتاريخ، في غمرة الاعتقاد بانتهاء زمن الثوابت الوطنية والدينية. حتى يؤدي به الأمر إلى تهنئة العدو باليوم الذي احتل فيه بلاده وقتل فيه أهله وشعبه.
هذا بالضبط ما فعله سياسي عربي أقدم مؤخرا على تهنئة إسرائيل بما أسماه ( عيد الاستقلال)، على الرغم من أن إسرائيل قامت على جثث العرب وفوق أراضيهم، وقامت من أجل تمزيقهم إلى دويلات، فهي تستهدفهم ـ وستظل تستهدفهم ـ سواء وعوا ذلك أم امتنع عليهم الوعي.
هذا التمثيل غير المشرف لهذا السياسي دفع به وبغيره، أيضا إلى الصمت على تصريحات الرئيس الأميركي جورج بوش خلال زيارته الأخيرة إلى إسرائيل. فالرئيس بوش وعد الكيان الصهيوني ـ في ذكراه الستين ـ بوضع كل الإمكانات الأميركية تحت تصرفه عند أي تهديد، فيما خلت تصريحاته من التزام تجاه الفلسطينيين وحقوقهم المهدورة.
وما يثير العجب انه مهما حاول هذا السياسي أو غيره الظهور بمظهر المعتدل والمجمل لصورته أمام إسرائيل وأميركا فانه لن ينال منهما الرضى، إلا بالاستمرار دوما في تقديم المزيد من التنازلات. فواشنطن وتل أبيب لديهما ثوابت تتعارض كلية مع الحقوق والمصالح العربية. في حين أن هذا السياسي وغيره يمزقون ثوابتنا الوطنية بضمير ميت.
ربما يكون مطلوبا من السياسي أو من صاحب المنصب، أن يلعب دور الممثل أحيانا، فيضع الماكياج ويصبغ شعره ووجهه، في وقت معين من أجل أداء دور محدد أو وظيفة معينة، ولكن ما ليس مقبولا منه أن يعيش دور الممثل كل الوقت لأنه بذلك يصير كالبهلوان.
وإذا كانت الأصول والتقاليد الفنية لا تقبل من الممثل الخروج على الثوابت والأخلاق العامة، فان الواجب يحتم ألا يقبل ذلك من السياسي، لكن عالمنا العربي حافل بتناقضات تدفع بنا بقوة إلى تدهور متسارع، تدهور يقودنا إلى محرقة تتسع من فلسطين إلى العراق إلى السودان وربما لبنان.
كفانا ساسة من مثل هؤلاء، يريد الواحد منهم أن يكون البطل وهو لم يكسب مباراة، وأن يكون المفكر العبقري ولم يفرك عقله مرة واحدة، والمهندس المهيب الأركان والحيطان، والطبيب الذي يداوي كل شيء بشربة دود، والجنرال الأعظم الذي لم يحارب معركة واحدة في حياته.
لقد أثبتت الأيام أن ممثلا مثل رونالد ريجان كان ناجحا على كل المستويات ـ من وجهة نظر بني وطنه ـ عندما لعب دور الرئيس، فبفضل مدرسته السياسية صنعت أميركا انتصارها التاريخي على الاتحاد السوفييتي. ومن أجل هذا التمثيل المشرف، نحيي حكم الممثلين والممثلات، ونطالب به ولتحيا دولة الرئيس أميتاب باتشان، إذا كانت الحكاية كلها تمثيل في تمثيل.
