وسط جهود التهدئة في غزة، ومع قدوم الرئيس الأميركي بوش إلى المنطقة للمشاركة في احتفالات إسرائيل بالذكري الستين على إنشائها فإن التساؤلات راحت تطرح نفسها بشأن ما يحمله بوش في جعبته بشأن التسوية، خاصة أن الزيارة تعد الثانية خلال شهور في السنة التي حددها بنفسه لأن ترى الدولة الفلسطينية النور.

لسنا في حاجة إلى الإشارة الى أن أجواء المنطقة لم تكن تبعث على أي آمال يمكن أن تنجم جراء الزيارة خاصة أنها تعتبر إلى حد كبير زيارة مجاملة لإسرائيل، كان

لابد أن يتواكب معها زيارات أخرى لدول عربية. ولعله ليس هناك أكثر دلالة على ذلك مما أشارت إليه مصادر الى أن الدول العربية ذات العلاقات الطيبة مع الولايات المتحدة وهي مصر والسعودية والأردن سعت فيما قبل الزيارة إلى إثناء بوش عن زيارته حال عدم حمله لجديد على صعيد تسوية القضية الفلسطينية، وبالطبع فإن الرئيس الأميركي لم يكن في وارد أن يلغي زيارة بناء على هذه الجهود أو الحجج.

أما على صعيد تطورات الزيارة ذاتها فقد جاءت مخيبة للآمال العربية على نحو غير مسبوق، وخاصة بالنسبة لخطاب بوش أمام الكونغرس الذي حطم الأوهام لدى بعض الأطراف العربية بإمكانية لعب واشنطن دورا ذا بال يحقق المطالب العربية على صعيد الأوضاع في فلسطين، وكان بحق كما ذهبت حركة حماس صفعة كبيرة لكل المراهنين على الدور الأميركي. وليس أدل على ذلك من تعبير الرئيس الفلسطيني محمود عباس نفسه، وهو من هو في تسييد نبرة التفاؤل والتعويل على الدور الأميركي، عن خيبة أمله. ومن الآراء المعبرة في هذا الصدد بشأن فحوى خطاب بوش ما أشار إليه عضو بالكنيست عن حزب الليكود من أن صهيونية بوش تفوق صهيونية عدد من وزراء الحكومة الإسرائيلية.

وفيما يشير إلى استمرار نهج المراوغة والتضليل الأميركي وفي مسعى لامتصاص الغضب العربي من خطابه وما عكسه من مواقف راح بوش يصعد من التوقعات بحديثه عن أن خطابه في شرم الشيخ سيتضمن التفصيل عن القضية الفلسطينية، غير أنه بدلا من ذلك خرج بدعوة الدول العربية إلى تجاوز الغضب من إسرائيل.. هكذا في المطلق ودون أي اعتبار لأبعاد هذا الغضب إذا صح التوصيف، ودون إشارة إلى خطوات محددة يمكن أن تتم مقابل ذلك.

وعلى هذا النحو اختتم الرئيس الأميركي آخر زياراته المقررة للمنطقة قبل انتهاء فترة رئاسته الثانية دون أن يتطرق من قريب أو بعيد إلى الدولة الفلسطينية التي تمثل جوهر وعده للفلسطينيين وتدشينها خلال حكمه.

على هذه الخلفية يمكن الإشارة إلى عدم واقعية أية رؤى تصورت أن الزيارة يمكن أن تنتج تأثيرا يذكر على أي صعيد يتعلق بالتسوية في ضوء عدة حقائق:

أولا: أنها تأتي في الشهور الأخيرة للولاية الثانية للرئيس الأميركي وهى الفترة التي من المعروف على الصعيد الأميركي أنها فترة تكون قدرات الرئيس فيها على الحراك السياسي في أضيق مراحلها على نحو يجري معه تشبيهه بـ «البطة العرجاء» حيث يعجز عن اتخاذ إجراءات عملية على الأرض.

ثانيا: أن الأوضاع الإقليمية التي واكبت الزيارة لا تجعل من القضية الفلسطينية تحظى بأولوية لدى إدارة بوش، وهو ما يبدو في تركيزه في خطابيه أمام الكنيست ومنتدى دافوس على الهجوم على إيران وحزب الله وحماس. فأولوية السياسة الأميركية خلال هذه المرحلة تتمثل بشكل رئيسي في التصدي لحماس ومنع سورية وإيران من دعم ما تصفه واشنطن بالإرهاب، والتصدي لبرنامج إيران النووي الذي يعتبر السماح لطهران بالمضي فيه ـ وفق تعبير بوش ـ خيانة لا تغتفر للأجيال المستقبلية.

ثالثا: أن وعد الدولة الفلسطينية ذاته لم يكن سوى من قبيل المراوغة والتضليل من قبل الإدارة الأميركية الحالية وكسب الوقت لتحقيق مكاسب آنية تتعلق بمصالح استراتيجية أميركية، وهو ما يبدو جليا بالعودة إلى ظروف إعلان بوش عن وعده المذكور. لقد جاء بشكل أساسي في 2 أكتوبر 2001 أي بعد أحداث سبتمبر مباشرة حين راح بوش يعلن أن بلاده كانت تؤيد دوما فكرة إقامة دولة فلسطينية ثم تبلورت هذه الرؤية إلى مستوى الحديث عن دولتين عام 2002.

ويبدو التوظيف السياسي لهذا الوعد في ضوء إدراك أن إدارة بوش تبنت منذ أيامها الأولى سياسة مخالفة لسياسة سلفه كلينتون على نحو لم تعط معه أي أولوية للأوضاع المتفجرة في الشرق الأوسط خاصة على صعيد الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. غير أن أحداث سبتمبر وما اقتضته من خوض الولايات المتحدة غمار حربين مختلفتين تطلبتا تشكيل تحالف دولي تلعب الدول العربية فيه دورا رئيسيا اقتضت مبادرة ترضية للعرب تمثلت في الوعد بالدولة الفلسطينية.

رابعا: على أرض الواقع فإنه لم يكن هناك قبيل زيارة بوش ما يشير إلى أي نوع من التحرك في اتجاه التسوية وإنما كانت كل القضايا تراوح مكانها رغم ما تشير إليه بعض المصادر من أنه كان من المفترض وفق طلب رايس من إسرائيل الإعلان عن التوصل إلى اتفاق مع الجانب الفلسطيني حول حدود الدولة الفلسطينية المستقبلية خلال زيارة بوش وهو ما وعد الجانب الإسرائيلي بدراسته.

وعلى ذلك فالحديث عن تسوية للقضية الفلسطينية على نحو ينتهي إلى إعلان الدولة العام الجاري أصبح في حكم المستحيل، ولا يمثل سوى خداع للنفس، ينبغي لنا أن نفيق منه بعد أكثر من سبع سنوات، من الاستغراق فيه، وأكثر من ستين عاما أخرى في الجري وراء وعود مماثلة دون أن تجد القضية طريقها إلى الحل النهائي، وهو ما يجعلنا نخلص إلى درس عسى أن نعيه جيدا.

ويمثل أحد أسس الواقعية السياسية ويتمثل في ضرورة التخلي عن التعاطي مع السياسة بالأمنيات، وإدراك أن هناك موقفا أميركيا ثابتا تجاه قضايا الصراع العربي الإسرائيلي لن يتغير وهو موقف يميل لصالح إسرائيل وتغليب مصالحها على حساب الطرف العربي، وأنه لا ينبغي توقع التبني الأميركي لقضايانا هكذا دون أسباب، ما لم يلجأ الطرف العربي إلى استخدام ما يبدو له أوراق قوة ليس بالضرورة أن تكون عسكرية، وهو ما يبدو غير قائم في الأفق حتى الآن.

إضاءة

من الآراء المعبرة بشأن فحوى خطاب بوش ما أشار إليه عضو بالكنيست عن حزب الليكود الى أن صهيونية بوش تفوق صهيونية عدد من وزراء الحكومة الإسرائيلية. فلقد راح بوش في خطابه يؤكد دعمه بشكل غير معتاد لإسرائيل في الوقت ذاته الذي تجاهل فيه معاناة الفلسطينيين في ظل الاحتلال الإسرائيلي. كما راح يعبر عن فخره بالتحالف المتين مع إسرائيل ممتدحا ما وصفه بالنموذج الإسرائيلي للديمقراطية.

مصطفى عبد الرازق