قدر غزة أن تعيش بين الهدوء النسبي والحرب المفتوحة. وعلى الرغم من قسوة وشراسة الحرب التي تمارس ضدها منذ نحو عام، إلا أنها تظل القوية الصابرة على الجوع والعطش، فهي تربط أحشاءها كي لا يهزمها الجوع، وتشرب دموعها لتروي عطشها.
وفي إطار التصدي لحرب التجويع الصهيونية،استطاعت حركات المقاومة الفلسطينية في غزة ان تفرض أجندتها أيضا على إسرائيل، من خلال عملياتها النوعية على الأرض، والصواريخ التي تضرب مستعمراتها. الآن تشهد الساحات المصرية - الفلسطينية - الإسرائيلية تحركات متواصلة، للبحث عن صيغة للتهدئة. فمنذ أيام ذهب اللواء عمر سليمان رئيس جهاز المخابرات المصرية إلى تل أبيب بحزمة مقترحات فلسطينية للتباحث مع المسؤولين الإسرائيليين حولها. هذه المقترحات تم التوصل ـ بعد محادثات في القاهرة ـ ضمت 12 فصيلاً فلسطينيا. وتضمنت هذه المقترحات عدة نقاط:
1ـ الاتفاق على تهدئة متبادلة مع إسرائيل مدتها ستة أشهر تبدأ من قطاع غزة وتمتد إلى الضفة الغربية.
2ـ فتح المعابر ورفع الحصار الذي تفرضه إسرائيل على الشعب الفلسطيني.
3 ـ القيام بعملية تبادل للأسرى تشمل إفراج إسرائيل عن أسرى فلسطينيين في مقابل الإفراج عن الجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شاليط.
هذه التهدئة المقترحة لاتزال قيد البحث من الطرفين، خاصة وأن حماس لم تكن منذ البداية متحمسة لإدراج قضية شاليط ضمن صيغة التهدئة، وفق المطروح من جانب إسرائيل. وهو ما جعل القاهرة توسع من نطاق تحركاتها فلسطينيا وتطويق موقف حماس بدعوة كافة الفصائل للمشاركة في وضع صيغة التهدئة. ونجحت القاهرة في الوصول إلى توافق فلسطيني، اضطرت حماس إلى القبول به.
ومن جانبها أضافت إسرائيل شروطا جديدة حملتها الوزير عمر سليمان، وفي مقدمتها ربط التهدئة بقضية الجندي الأسير.
وهذه الشروط محل بحث من الجانب الفلسطيني، ورغم أن حماس قد سحبت مؤخرا اعتراضها على بعضها، الا أن بلوغ مسار التهدئة ليس معبدا أمام الجانب المصري، الذي يقوم بالوساطة، لأن كلا الطرفين لديه أسبابه للتصعيد وللتهدئة وفق معطيات متعددة:
أولا - محفزات التصعيد: على الرغم من معاناة الطرفين نسبيا - من آثار التصعيد في ظل الأزمة الحالية، الا أن لكل منهما مصلحة في استمرار التصعيد الحالي، إن لزم الأمر السير في الشوط إلى مدى أبعد:
1ـ في إسرائيل يوجد شبه اتفاق بين النخب السياسة والعسكرية الحاكمة على عدم تمكين حماس من تحقيق أي انجاز داخلي، يحسب لها ويقوي سلطتها على الأرض. وقد ازدادت هذه الرغبة حدة بعد أزمة أولمرت الأخيرة، حيث وجد في لعبة التصعيد ضد غزة فرصة لتجميل صورته أمام الإسرائيليين.
2ـ المزاج السياسي الإسرائيلي يتوجه ـ حسب استطلاعات الرأي ـ منذ حرب يوليو 2006 إلى التطرف نحو العرب والحقوق الفلسطينية، وهو ما يجعل الأرض الداخلية في إسرائيل ممهدة للاستمرار في التصعيد بوتيرة أعنف. ما يجعل الحكومة تتمادى إلى حد التهديد باجتياح غزة.
3ـ وجود مشروع إسرائيلي يستهدف تصدير مشكلة غزة إلى مصر، كوسيلة لإنهاء مشروع الدولة الفلسطينية. يضاف إلى ذلك أن نجاح إسرائيل في إلحاق غزة بمصر يخلصها من تبعات القطاع، ويلقي بها إلى مصر التي سيكون عليها أيضا تولي المهام الأمنية، وضمان أمن إسرائيل من القطاع. وهذا ما لا تريد مصر التورط فيه.
4ـ أما على الصعيد الفلسطيني فإن حركة حماس، حريصة على تأكيد شرعية المقاومة في إطار الدفاع عن الشعب الفلسطيني، وهي مستعدة للتصعيد مع إسرائيل وفق هذه المعطيات.
5ـ لحركة حماس مصلحة في توظيف التعنت الإسرائيلي للوصول مع مصر لصيغة منفردة تضمن بها فتح المعابر بعيدا عن إسرائيل، ولو من طرف القاهرة وحدها.
ثانيا - دوافع التهدئة: مثلما توجد لدى الطرفين محفزات لاستمرار التصعيد توجد لديهماـ بقدر أو آخرـ مصلحة نسبية في التهدئة، فإسرائيل قد تريدها لمدى زمني محدود تتمكن فيه من الإفراج عن الجندي شاليط. أما حركة حماس فتأمل إنهاء المعاناة الفلسطينية، وإنهاء أزمة المعابر التي تتسبب في تجويع وسجن الفلسطينيين داخل القطاع من دون أن يكون ذلك على حساب حق المقاومة أو على حساب الحقوق الفلسطينية المشروعة. وهكذا فلكل أسبابه:
1ـ تريد إسرائيل الإفراج عن شاليط مقابل إطلاق 400 أسير فلسطيني فقط ممن انتهت محكوميتهم، ومن ذوي الحالات الصحية. لكي تحرم حماس من استثمار تبادل الأسرى ـ بشكل منفرد ـ في تحقيق انتصار معنوي. وهذا ما ظلت ترفضه حماس وتريد مقابل شاليط الإفراج عن ألف أسير فلسطيني من كل الفصائل في صفقة منفردة، إلا أنها تراجعت عن ذلك مؤخرا.
2ـ عدم امتلاك إسرائيل عمليا لحل عسكري شامل، يمكنها من استعادة زمام المبادرة في غزة بشكل كامل، ومن ثم فلا بديل حقيقيا أمامها سوى التوجه نحو التهدئة، على الأقل في الوقت الحالي، ومن ثم فإن التسريبات عن احتمال قيامها باجتياح شامل لغزة قد تكون نوعا من الحرب النفسية التي تمارسها ضد القطاع.
3ـ بالنسبة للجانب الفلسطيني فإن حركة حماس ترغب في رفع الحصار عن غزة، ومن اجل ذلك تطلق يد القاهرة، هي والفصائل الفلسطينية، في ضمان وتنفيذ اتفاق التهدئة، وتدعوها لفتح معبر رفح من جانب واحد إذا ما رفضت إسرائيل.
ثالثا ـ الوساطة المصرية: تمثل القاهرة طرفا أصيلا في المشكلة الفلسطينية - الإسرائيلية، فالجغرافيا والتاريخ يضعان القاهرة في قلب القضية الفلسطينية. كما أنها تجد حدودها هذه المرة محل تجاذب مما يستدعيها التحرك حماية لأمنها. ولعل ما يعزز دورها أن الطرفين دعيا القاهرة للتحرك لاحتواء التصعيد، كما تدخلت واشنطن على الخط، وطلبت من مصر خلال زيارة كوندليزا رايس مؤخرا للقاهرة، استخدام كل أوراقها من أجل التهدئة.
وانطلاقا من هذه المعطيات تحركت القاهرة واستدعت الفصائل الفلسطينية، وتم التوصل إلى صيغة التهدئة المقترحة، والتي حملها الوزير عمر سليمان إلى تل أبيب في زيارته الأخيرة. وردت إسرائيل بشروط مضادة. بل سعت مباشرة إلى ابتزاز مصر،من خلال إقحام القاهرة في مسببات الأزمة، بمحاولة إلزام مصر ضمان منع تهريب الأسلحة إلى غزة كشرط لقبول التهدئة، لكن القاهرة رفضت هذا الشرط كلية.
وفي مباحثات تل أبيب اشترط المسؤولون الإسرائيليون أيضا ربط الإفراج عن شاليط بالتهدئة، وعدم القبول بغير ذلك. كما جددت إسرائيل التهديد بإمكانية اجتياح القطاع، وهو ما رفضته مصر تماما.
وكانت القاهرة قد استبقت زيارة سليمان بفتح معبر رفح أمام الفلسطينيين كرسالة إلى الجانب الإسرائيلي بأن مصر يمكنها فتح المعبر من جانب واحد إذا ما تعنتت إسرائيل ضد اتفاق التهدئة. وهذا ما أبلغته القاهرة أيضا إلى تل أبيب.
وتستخدم مصر في الضغط على إسرائيل أوراقا كثيرة، كان أحدثها،الإعلان عن المناورة العسكرية (بدر 2008) التي قام بها الجيش المصري يوم الجمعة الماضية.فقد كشف هذا الإعلان عن طبيعة المناورة أنها تضمنت عبور قناة السويس ودفع القوات إلى شرق القناة (أي باتجاه سيناء). وعلى الرغم من أن هذه المناورة قد تكون اعتيادية في اطار خطط تدريب الجيش المصري، إلا أنها في الجوهر تمثل رسالة ذات مغزى إلى إسرائيل، وهي تحتفل بعيدها الستين.
ويعني هذا التوجه المصري أن القاهرة تدرك مدى خطورة استمرار الحصار الإسرائيلي للقطاع على أمنها القومي، فليس هناك ما يمنع تكرار انتفاضة الجوعى على الحدود مع غزة، تحت ضغط التضييق الإسرائيلي.
وفي تطور فلسطيني لافت يسهل مهمة الوساطة المصرية نحو التهدئة، أعلنت حركة حماس يوم السبت الماضي (17 ـ 5 ـ 2008) على لسان الدكتور أحمد يوسف المستشار السياسي لرئيس الوزراء المقال اسماعيل هنية موافقتها على إدراج قضية الجندي شاليط ضمن شروط التهدئة.
ويعد ذلك أيضاً تسليما جديا من جانب حماس للدور المصري وسعيا منها لتعبيد الطريق أمام جهود الوساطة، حتى لا تتحمل وزر أي تعثر، كما أنها بتنازلها هذا تضع القاهرة أمام التزاماتها العربية اذا ما عرقلت إسرائيل المساعي المصرية.
وعلى الرغم من التناغم المصري الفلسطيني نحو التهدئة الا أن الوصول إليها يستلزم الكثير من الوقت والتباحث للاتفاق على صيغتها النهائية، وعلى آليات تنفيذها من جانب كل الأطراف.
ولكن ليس من المستبعد الاصطدام بالمزيد من الألغام في طريق التهدئة، خاصة وأن كل طرف يحاول تجيير الجهود المصرية لحساباته الخاصة.
إضاءة
يبلغ عدد الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية نحو 11 ألف أسير، منهم 49 نائبا برلمانيا ووزيرا فلسطينيا غالبيتهم من حركة حماس على رأسهم عزيز الدويك رئيس المجلس التشريعي، فضلا عن النائب مروان البرغوثي وأحمد سعدات. ويعيش الأسرى ظروفا سيئة تصل إلى ممارسة التعذيب ضدهم.
وإلى جانب الأسرى الفلسطينيين يوجد أسرى عرب أشهرهم اللبناني سمير القنطار الملقب بعميد الأسرى العرب.
أحمد الكناني

