انتخابات الرئاسة الأميركية، هذا العام، محطة فارقة في تاريخ هذا الحدث. ما شهدته حتى الآن، في مرحلة التصفية الحزبية للمرشحين، خاصة في الحزب الديمقراطي، غير مسبوق منذ إعلان استقلال هذا البلد قبل 232 سنة. وليس من المستبعد أن تنتهي المعركة يوم الرابع من نوفمبر القادم؛ في هذه الخانة أيضاً.
فهي أول حملة تنكسر فيها (المحظورات). السؤال الآن هو ما إذا كان هذا الجديد الخارق، في حلبة المنافسة؛ قادراً على الوصول إلى الرئاسة. ثم ما إذا كان مستعداً لإحداث تحولات، في سياسة واشنطن الخارجية. وبالذات الشرق أوسطية. الانتخابات، في شقيها الأولي ـ التصفية الحزبية ـ والنهائي، عملية سلسة بقدر ما هي معقدة. تمرين مغروس في عمق الحياة السياسية. خطوطه العريضة راسخة ومتوارثة. خاصة في حقل الترشيح والحملات الانتخابية.
فالمرشحون بقوا باستمرار من نفس الطينة، باعتبار أن هذا المقعد محجوز للعنصر الذكوري الأبيض؛ من رجال الطبقة السياسية. . وفي معظم الحملات الانتخابية، إن لم يكن في جميعها؛ تكون معركة الترشيح محسومة قبل دخول الربيع. وبالتأكيد قبل موعد المؤتمر الحزبي العام، خلال الصيف-وفيه يتم التبني الرسمي للمرشح-لكلا الحزبين، الجمهوري والديمقراطي.
لكن ليس هذه المرة. ما كان سائداً، من هذه الأعراف والتقاليد، انتهى. أطيح بالقواعد وجرى تجاوز المألوف. لأول مرة يقتحم هذه الساحة أميركي أسود. أيضاً لأول مرة تقتحمها امرأة. ليس ذلك فحسب، بل صار من المؤكد أن يكون أحدهما، المرشح الرئاسي للحزب الديمقراطي. باراك أوباما، السناتور عن ولاية إلينوي، لم يسبقه أحد من الأميركيين الملونين؛ إلى هذا الموقع .حاول جاسي جاكسون، في الثمانينات، دخول هذا المعترك. لكنه لم يصمد. اضطر إلى الانسحاب في بداية الحملة. فجأة يقفز أوباما إلى الطليعة.
والملفت أنه حظي بالتأييد العالي وفاز، في ولايات، نسبة السكان فيها من الأميركيين البيض كاسحة. أما منافسته، هيلاري كلينتون، السناتور عن ولاية نيويورك؛ فقد صعدت هي الأخرى، إلى الواجهة وتفوقت بالتأييد على عدد كبير من منافسيها الذكور، والبارزين في الحقل السياسي ـ منهم أعضاء في مجلس الشيوخ أو مجلس النواب أو حكام الولايات- وخلافاً للاعتيادي؛ فإن حسم معركة الترشيح الديمقراطي، قد تطول إلى حين موعد انعقاد مؤتمر الحزب، في الصيف القادم؛ بسبب التنافس الشديد والنادر بين كلينتون وأوباما.
مع كل ما قد يتأتى عن ذلك من مردود سلبي على معركة الحزب؛ وبالتالي من خدمة غير مباشرة للمرشح الجمهوري، السناتور جون ماكين؛ الذي حسم، منذ فبراير، معركة الترشيح لصالحه؛ والذي سيكون، لو فاز، أول رئيس يحتل كرسي الرئاسة وهو في سن الثانية والسبعين.
وإذا كان من السابق لأوانه الحديث عن الترجيحات النهائية للمعركة الفاصلة بعد حوالي ستة أشهر؛ إلا أن الذي لا جدال فيه، هو أن هناك حالة جديدة؛ في الساحة الانتخابية الأميركية. مزاج غير اعتيادي في صفوف الناخبين الأميركيين؛ لجهة خياراتهم وأولوياتهم. بل هو ليس أقل من نقلة نوعية فاصلة؛ في ضوء الخلفية العنصرية المعروفة، في أميركا. نقلة تشي بوجود قابلية لتجاوز الحياة السياسية الرتيبة والمترهلة بعض الشيء ـ وبخاصة في السنوات البوشية السبعة الأخيرة ـ ولطرق أبواب لم يسبق أن طرقت.
صحيح أن ذلك تبلور بهذه الصورة، في الكتلة الانتخابية المحسوبة على الحزب الديمقراطي. لكن لم يكن من غير مدلول أن يحصل أوباما، بخاصة، على أصوات وازنة من المحسوبين على خندق المستقلين في الحزب الديمقراطي. هؤلاء ومنهم شريحة اليمين في الحزب؛ يشكلون الثقل الذي يقرّر عادة، نتيجة المعركة الانتخابية. الرئيس ريغان، فاز مرتين بأصواتهم. وهكذا كان حال الرئيس كلينتون.
بصرف النظر عمن سيكون سيّد البيت الأبيض، في نوفمبر القادم؛ فإن الذي لا شكّ فيه، هو أن معركة 2008 قد فتحت صفحة فريدة في سجل انتخابات الرئاسة الأميركية. يزيد من خصوصيتها أنها تجري في ظلّ حرب يقف معظم الأميركيين ضدّها؛ وبعد نهاية ولاية رئيس، لم يعرف تاريخ الرئاسة الأميركية سلفاً له، غادر البيت الأبيض برصيد هابط كالذي يغادر به بوش.