على ذكر ما أشرنا إليه في مقال سابق، عن إساءات للإسلام والمسلمين في الغرب، وموقع بابا الفاتيكان من هذه الإساءات نشير إلى مفارقة بالغة الدلالة تؤكد ما نذهب إليه رغم أن القراءة السريعة لها قد توحي بغير ذلك. وتتمثل هذه المفارقة في المعاملة السيئة التي لقيها البابا شنودة الثالث رأس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية المصرية خلال زيارته الأخيرة لبريطانيا، والمعاملة الإحتفائية التي لقيها بنديكتوس السادس عشر بابا الفاتيكان خلال زيارته الأخيرة للولايات المتحدة.
فقد فوجئ البابا شنودة لدى مغادرته مطار هيثرو بلندن مؤخرا بمسؤولي الأمن يطلبون منه الخضوع للإجراءات الأمنية عبر بوابة الفحص الإلكتروني بدعوى أن ذلك يأتي ضمن الإجراءات العادية لحماية الركاب وتأمينهم ضد التهديدات الإرهابية، وعبثا حاول السفير المصري إقناع الأمن بالمكانة التي يمثلها البابا باعتبار مكانته كرمز ديني مصري، فما كان من البابا سوى التجاوب مع رجال الأمن للحاق بالطائرة.
إن القراءة المتأنية لدلالات هذه الواقعة تؤكد السياق العام السائد في الغرب للتعامل مع كل ما هو عربي ومسلم بغض النظر عن أسباب تلك المعاملة، فتلك قضية أخرى، وهو أمر يمتد بشكل أو بآخر وإن على نحو أقل حدة إلى كل ما هو شرقي. وهنا فإن السؤال الذي يفرض نفسه يتركز حول تفسير هذه المعاملة للبابا شنودة في ضوء ما يشير إليه سمته من أنه إحدى الشخصيات الدينية؟
هناك احتمالان لتفسير الأمر: فإما أنه تم نسبته إلى الإسلام واعتباره رجل دين مسلم تنطبق عليه متطلبات الحذر والخوف والتوجس التي يتم تسييدها في الغرب على شاكلة منع القرضاوي من دخول بريطانيا. وهناك سوابق عديدة في ذلك منها مثلا ما أشار إليه الدكتور مصطفى الفقي في مقال له بجريدة (الحياة) من أن أول ضحية عربي نتيجة أحداث سبتمبر كان مصريا مسيحيا قتلته رصاصات تعصب أعمي لأنه كان يعلق صورة للبابا كيرلس السادس واعتقاد الجاني أنها صورة أسامة بن لادن، وهو ما يؤكد حسبه الخلط بين المسيحيين الشرقيين والمسلمين.
وكذلك ما أشارت إليه أنباء من اعتداءات وقعت على السيخ في الولايات المتحدة بعد أحداث سبتمبر للاعتقاد بكونهم مسلمين للحاحهم الكثيفة واعتمارهم طاقيات على نحو جعل الخلط بينهم وبين المسلمين قائما. هذا من ناحية، من ناحية أخرى قد يكون مسؤولو الأمن كانوا يعلمون بأنه رجل دين مسيحي مصري شرقي وجرى التعامل معه بنفس العقلية التي يتم التعامل بها مع ما يمكن توصيفه بالكتلة الحضارية التي ينتمي إليها.
فيما يكشف عن صحة ما أشارته اليه مسؤولة بالخارجية المصرية في توصيف ما حدث بأنه «أسلوب استعلائي» ما يعزز في كل الأحوال فرضية إساءة التعامل مع العرب، أيا كانوا مسيحيين أم مسلمين وكذلك المسلمين أيا كانوا عربا أم غير عرب. ليس في ذلك دعوة لتعزيز الشعور بالاضطهاد، فتفسير تلك المواقف يعكس تاريخا وواقعا لسنا أبرياء تماما من إيجاده، ولكن الأمر محاولة للوصف والتأمل في وقائع تفرض نفسها بقوة في صدد الحديث عن نمط العلاقات القائمة بين العالم الإسلامي والغرب ورصدها.
وبمفهوم المخالفة، وفيما يعزز ما نذهب إليه من وجود إساءة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه: هل كانت أجهزة الأمن البريطانية ستطبق المعاملة ذاتها مع رمز ديني مسيحي غربي؟ إجابة هذا السؤال الافتراضي جاءت بالنفي وإن كان من الضفة الأخرى للأطلسي حيث تم استقبال البابا بنديكتوس السادس عشر استقبالا مهيبا خلال زيارته للولايات المتحدة بما يعكس المكانة الكبيرة التي يمثلها الرمز الديني المسيحي الغربي في الغرب الذي ينحسر فيه الدين.
قد يقول قائل إن هذا الأمر طبيعي في ضوء وجود 23 مليون كاثوليكي في الولايات المتحدة يمثلون قوة ونفوذ لا بد أن ينعكس في استقبال رمزهم الديني. غير أن ما نؤكد عليه الإشارة إلى عدم توقعنا أو مطالبتنا بمعاملة حافلة للبابا شنودة وإنما على أقل ذلك معاملة تشير إلى حد أدنى من التقدير لشخصية دينية تحظى بمكانة كبيرة بين عدة ملايين من الأقباط، أو حتى أي أصحاب ديانة أخرى.