من المتعارف عليه علمياً أن لكل فعل رداً مماثلاً مساوياً له في القوة ومضاداً له في الاتجاه، ومن ثم فلا يقبل علمياً أن يكون رد الفعل أقل من الفعل في القوة، كما انه غير مقبول أيضاً من جانب العلم أن يكون رد الفعل مسايراً لاتجاه الفعل نفسه، وإلا فلن يكون ذلك من العلم، بل من أي شيء آخر كالدجل أو التنجيم أو حتى من المستحيلات. ومن ثم فإننا إذا أخضعنا ما يجري في واقعنا العربي لتلك القاعدة العلمية فإننا نستطيع أن نصنف هذا الواقع بأنه عالم من الدجل واللا عقلانية.

وقياساً على ذلك الموقف العربي من الرسوم المسيئة للرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، ومما يجري في غزة، وأيضاً مما يجري على صعيد الاحتلال الأميركي للعراق، والملف اللبناني وغير ذلك من قضايا كثيرة، وهي قضايا تخرج العرب من خانة الواقع الحي إلى خانة اللا وجود، لأننا نعيش خارج القوانين الكونية التي سنها الله لعباده.

فلو كان رد فعلنا على الرسوم الدنماركية المسيئة للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في المرتين الأولى والحالية قوياً بنفس قوة الفعل، لكانت قوة الاصطدام مع الفعل أو الجرم الدنماركي كفيلة بإجباره على الشعور بالألم وبحجم الخسارة، ولكان عليه ألا يفعل ما فعله، وكان عليه أيضاً أن يعتذر، ولكن لماذا يعتذر ونحن لم نفعل شيئاً لوقف الإهانة سواء في المرة الأولى قبل نحو عام، أو مؤخرا حيث تجدد الجرم.

ولو أن العرب تحركوا بقوة لمنع المجازر الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في غزة والضفة قبل سنوات، لما جرى لإخواننا الفلسطينيين ما يجري اليوم من مذابح، ولكنها سياسة الانبطاح العربي على كل المستويات، حيث انبطح العرب، فمرت إسرائيل من فوق ظهور الجميع دون خوف لتواصل استباحة الدم الفلسطيني كل يوم، ولتقتل الأطفال وتفعل بهم ما تريد دون أي رد فعل عربي. فإسرائيل تدرك أن العرب غير ذي شأن، كل منهم يخاطب ودها، الأكثرية سراً، والأقلية علناً، عبر اتفاقيات وعلاقات دبلوماسية، بل والأكثر من ذلك أن قمتهم وضعت كل بيضها في سلة «السلام الإسرائيلي» الكاذب.

والأمر لا يختلف كثيراً بشأن ما يجري في العراق، فالعرب ساعدوا أميركا على احتلاله، واستباحة الأرض والعرض في العراق، فهناك دول عربية ساعدت واشنطن عسكرياً واستخباراتياً ضد العراق، وطوال السنوات الخمس الماضية تعاونت دول عربية مع أميركا لإجهاض المقاومة العراقية والتآمر عليها اعلامياً وسياسياً وعسكرياً، ولذا فليس غريباً أن تنحصر ردود الأفعال العربية بشأن ما يجري في العراق في إطار مسايرة السياسة الأميركية نفسها، وليس معاكستها في الاتجاه، ولذا فمن حق أميركا ألا تشعر بأي قلق وهي تنهب ثروات العراق، وهي تقتل شعبه وتحتل أرضه، فليس هناك قلق عربي يؤرق رأس أميركا، وليس هناك أي رد فعل حقيقي، فلا صوت إلا صوت التواطؤ.

هذه الاستباحات والاهانات ضد العرب سوف تستمر مادام هناك غياب لرد فعل حقيقي وقوي تجاه الأفعال المعادية لنا على الساحة الإقليمية والدولية، ومن ثم لن يهتم بنا أحد، ولن يشفق علينا أحد، ما لم نساعد أنفسنا، وما لم تكن ردودنا على نفس مستوى قوة الأفعال الموجهة ضدنا.

ولقد قالها الروس والصينيون والأوروبيون كثيراً «هل نكون عرباً أكثر من العرب»؟ وذلك كلما سئلوا عن موقفهم من القضية الفلسطينية والمجازر التي تمارس ضد الشعب الفلسطيني، فلكي يساعدك العالم ويخدمك عليك أن تساعد نفسك أولاً، وتجبر الآخرين بكل ما لديك من قوة على احترامك. ولنتعلم من عدونا، من إسرائيل، كيف نكون محترمين داخل الوطن وخارجه.

وإذا كان من سنة الحياة ألا تستمر الأحوال على ما هي عليه، فإن غياب ردود الأفعال العربية القوية، بل والأفعال القوية ذاتها، سوف يدفع حتماً قوى أخرى إلى ملء الفراغ المستباح. وعندئذ ستكون هذه القوة هي الرد على الأفعال الدنماركية والإسرائيلية والأميركية ضدنا، بل وربما ستقدم بشراستها وعنفها إجابات عن سؤال حائر اختلفت حوله الإجابات منذ سنوات.. وهو: لماذا يتطرف بعض العرب والمسلمين؟ ذلك لأن قوانين العلم التي تحكم الكون هي ذاتها أيضاً التي تحكم الإنسان.