السادس عشر من مايو عام 1916، يوم لا ينساه تاريخنا المعاصر المليء بالمؤامرات والهزائم والنكبات. يوم يرتبط باسم اثنين من ساسة الاستعمار المخادعين، جمعهما مخطط استعماري واحد. فكلاهما مهدا الأرض للسطو على أوطان العرب التي كانت بالنسبة لبلديهما خلال الحرب العالمية الأولى، غنائم حرب أو تركة «الرجل المريض». وهو الاسم الذي أطلق على تركيا بعد أن شاع استبدادها ووهن سلطانها وشاخت امبراطوريتها.

هذا المخطط الاستعماري وصفه المؤرخون الغربيون المحايدون بأنه مخادعة مرعبة وجشعة. ما فعله هذا الثنائي المخادع، كان مقدمة لمخطط إجرامي واستعماري أكثر بشاعة مازلنا نحن العرب نئن ونقاسي منه، ألا وهو الاستيلاء على فلسطين. السياسيان هما: سير مارك سايكس المندوب السامي البريطاني لشؤون الشرق الأدنى في بدايات القرن الماضي، وجورج بيكو قنصل فرنسا العام السابق في بيروت الذي كان وقتها قد عين مندوبا ساميا لشؤون الشرق الأدنى.

واليوم يمر 92 عاماً على مخططهما الذي عرف في كتب التاريخ باسم (اتفاقية سايكس ـ بيكو). هذا المخطط من أخطر الاتفاقيات التاريخية التي استهدفت حقوق العرب. فقد قسمت المنطقة العربية الآسيوية التي كانت تخضع للامبراطورية العثمانية المتهالكة ـ والتي تضم العراق وسوريا و لبنان وفلسطنين ـ إلى مناطق تخضع للنفوذ البريطاني ـ الفرنسي. واشتركت روسيا في هذا المخطط، إذ حصلت من التركة العثمانية على أرمينيا والقسم الشمالي من كردستان إلى الحدود الإيرانية.

الجزء الأكبر من الكعكة، كان من نصيب بريطانيا وفرنسا. اذ نصت الاتفاقية على تقسيم بلاد الشام إلى ثلاث مناطق: المنطقة (أ) الزرقاء، وهي العراق وتخضع للإدارة البريطانية. والمنطقة الحمراء (ب) وهي سوريا وتخضع للسيادة الفرنسية.اما المنطقة الثالثة البنية (فلسطين) فتخضع لإدارة دولية لتجنب النزاع بين روسيا وفرنسا على النفوذ وإدارة الأماكن المقدسة.

وما يتعلق بالمنطقة الثالثة الفلسطينية، فقد كان مقدمة لتسليم فلسطين لليهود انطلاقا من وعد بلفور المشؤوم الصادر في الثاني من نوفمبر 1917، أي بعد أقل من عام ونصف العام على «سايكس ـ بيكو». استولت بريطانيا بالفعل على العراق وعكا وحيفا الفلسطينيتين المطلتين على البحر المتوسط. اما فرنسا فكان من نصيبها المنطقة الساحلية فى سوريا وكذلك لبنان ثم ولاية مرسين وأضنة.

واتفق على أن المنطقة الداخلية من سوريا وهى دمشق وحمص وحلب فتقام فيها حكومة عربية تحت إشراف فرنسى. وهناك ملاحظات وحقائق تاريخية تتعلق بذلك الاتفاق الاستعماري الشيطاني، تكشف عن بشاعة مخطط بريطانيا التي كانت وقت إبرام الاتفاق الصديق والحليف القوي والرئيسي للعرب والداعم بل والمحرض على ثورتهم التي انطلقت من الحجاز بقيادة الشريف حسين.

أولا - ان الاتفاق على تقسيم الغنائم، تم مبكرا - قبل عامين من انتهاء الحرب العالمية الأولى ـ لضمان تماسك واستمرار التحالف البريطاني ـ الفرنسي خلال القتال الدائر ضد دول المحور في ذلك الوقت وهي (تركيا، ألمانيا، والنمسا والمجر، بلغاريا). فقد يكون من الصعب عليهما أن يتفقا بعد الحرب على مثل ما اتفق عليه في منتصفها.

ثانيا- ان الاتفاق، جاء بعد شهرين فقط من آخر رسائل متبادلة بين الشريف حسين والمندوب السامي ونائب ملك بريطانيا سير آرثر هنري مكماهون. وكانت تلك الرسائل التاريخية التي نشر فحواها بالكامل، تتضمن وعودا بريطانية باستقلال العرب وتنصيب الشريف حسين ملكا عليهم.

ثالثا - ان العرب كانوا آخر من يعلم بما توصل اليه سايكس وبيكو من اتفاق يمحو فكرة استقلالهم. ولولا الثورة البلشفية التي اندلعت في روسيا في اكتوبر من العام التالي (1917) ما كان بإمكان العرب أن يعلموا ما يدور في رأس «صديقتهم» بريطانيا التي تمسكوا بتحالفهم معها في الوقت الذي كانت توجه طعناتها في ظهورهم.

ويقال إن سايكس وبيكو اجتمعا بالشريف حسين بعد الاتفاق بأيام معدودة دون إبلاغه بمخططهما، وطلبا منه فقط أن يساعد العرب الحلفاء في الحرب. والمؤلم أن شريف مكة علم بعد عام ونصف العام بالاتفاق بالتزامن مع وعد بلفور المشؤوم الذي صدر في 7 نوفمبر 1917. وقدم احتجاجه الى بريطانيا. ولكنها طمأنته وأكدت له التزامها بالوعود التي قطعتها معه وهي تحقيق الاستقلال للعرب، فواصل دعمه للانجليز واستمر في ثورته ضد الأتراك.

رابعا - ان الثورة العربية التي أعلن عنها الشريف حسين أمير مكة المكرمة في العاشر من يونيو 1916 أي بعد أقل من شهر من اتفاق سايكس ـ بيكو، شجعتها ودعمتها بريطانيا ليس حبا في العرب، وإنما لإضعاف الأتراك عسكريا إذ إن التمرد على الخلافة العثمانية، يدفع الأتراك إلى سحب قوات من جبهات الحرب التي يشارك فيها الانجليز لمواجهة ثورة الحجاز.

خامسا- ان تحريض العرب على الثورة ضد الخلافة، يساعد على القضاء على تأثير الأتراك في العالمين العربي والإسلامي، وهو ما ينهي ولاء مسلمي الهند «الروحي» للخلافة العثمانية التي كانت تمثل خطرا على الانجليز في شبه القارة الهندية. فحفاظا على تماسك الهند باعتبارها جزءا من التاج البريطاني، سعى الانجليز إلى البحث عن كافة الوسائل التي تضعف الأتراك، وكانت الثورة العربية خير هذه الوسائل.

لورنس.. ضحك على العرب

البريطاني توماس إدوارد لورنس الشهير بلقب «لورنس العرب»، لعب دوراً تاريخياً في مسار الثورة العربية خلال الحرب العالمية الأولى. في كتابه «أعمدة الحكمة السبعة»، اعترف بأنه خدع العرب رغم تعايشه معهم ومشاركته في معارك الثورة العربية ضد الأتراك. وأكد أن انتصار بريطانيا وحلفائها ضد تركيا وشركائها، ستكون من نتائجه أن وعود بريطانيا لأصدقائها العرب ما هي إلا حبر على ورق، قاصدا بذلك تمرير اتفاقية سايكس ـ بيكو التي علم بأمرها ولم يبلغ أصدقاءه العرب بما يجري من وراء ظهورهم، رغم ثقتهم فيه.

ويقول في كتابه: لو كنت شريفاً ومخلصا للعرب بالفعل، لصارحتهم بذلك وسرحت جيوشهم وجنبتهم التضحية بأرواحهم في سبيل أناس لا يحفظون لهم إلاً ولا ذمة، فقدت شرفي يوم أكدت للعرب بأن بريطانيا ستحافظ على وعودها

حسن صابر