سنتان ونصف من التأزم السياسي والاقتصادي والحروب الداخلية والخارجية حولت لبنان إلى بيئة طاردة لأبنائه ودفعتهم نحو الهجرة إلى الخارج لاسيما الشباب منهم بحثا عن أمن اجتماعي مفقود ومستقبل أفضل، وقد بلغت حركة الهجرة في لبنان خلال الأشهر العشرة الماضية ذروتها في ظاهرة سلبية تعكس تدمير لبنان لطاقته الذاتية، حيث تشهد سفارات الدول المعتمدة في لبنان والغربية منها بشكل خاص ضغطا شديدا من قبل عائلات بأكملها تنتظر على أبواب السفارات تمهيدا للمغادرة.
تكشف الإحصائيات والأبحاث المتعلقة بهذا المجال أرقاماً مخيفة لأعداد المهاجرين اللبنانيين سنويا الذين يقصدون دول الخليج كمحطة مؤقتة ودول الغرب للاستقرار نهائيا، ويؤكد رئيس دائرة علم الاجتماع في الجامعة الأميركية في بيروت الدكتور سمير خلف أن تنامي حركة الهجرة في لبنان يثير قلق ومخاوف المختصين جراء الانعكاسات الديمغرافية والاجتماعية التي ستخلفها هذه الظاهرة.
وأكد أن نسبة الشباب المتبقي في لبنان لا تتعدى 20 إلى 30 بالمئة، مشيراً إلى أن ازدياد أعداد الشباب المهاجر أرسى معادلة قوامها شاب واحد فقط لكل خمس فتيات، لافتا إلى أن الهجرة المطردة ستقلص قاعدة السكان من 19 بالمئة إلى 17 بالمئة بحلول العام 2021.
زيادة طلبات التأشيرات
وفي دراسة أعدتها الأمم المتحدة حديثا تبين أن 165 ألف لبناني معظمهم من الفئات العمرية الشابة الذين تتراوح أعمارهم بين 17 و24 سنة 32 بالمئة منهم من الجامعيين يهجرون سنويا لبنان، وتشير إحصاءات السفارة الأميركية في بيروت إلى أن 3133 ألف طلب تأشيرة تقدم بها مواطنون لبنانيون من بينها 571 طلبا للهجرة ما بين شهري سبتمبر وأكتوبر عام 2007.
كما تؤكد دراسة أعدتها الجامعة اليسوعية في بيروت أن 29 بالمئة من الشباب اللبناني غادروا البلد منذ العام 2005 أربعون بالمئة منهم من الذكور و22 بالمئة من الإناث، وبحسب الدوائر المختصة فإن 250 ألفاً غادروا البلاد منذ أواخر العام 2006 ومعظمهم من أصحاب الاختصاصات.
ويقول أستاذ مادة تاريخ اقتصاد لبنان في جامعة الحكمة إميل عون إن لبنان يفقد تدريجياً ثروته الأهم وهي إنسانه من خلال تنامي ظاهرة الهجرة التي أصبحت مخرجاً إيجابياً في غياب البدائل، مشيراً إلى أنه إذا ما تعلم الشباب وبقي دون عمل فستنتهي طموحاته حتما ويغرق في اليأس، محذراً من أنه إذا لم يتشارك القطاعان العام والخاص في استنهاض لبنان اقتصاديا من خلال خطة شاملة ستذهب الأمور نحو الأسوأ، مشددا على ترابط السياسة بالاقتصاد والاجتماع وأنه طالما لا يوجد انفراج سياسي من المستحيل أن ينفرج الاقتصاد ويتحقق الأمان الاجتماعي الذي يدفع غيابه الشباب نحو الهجرة.
استنزاف للمجتمع اللبناني
ويصف مدير معهد العلوم الاجتماعية في بيروت الدكتور طلال عتريسي ظاهرة الهجرة بأنها استنزاف للمجتمع اللبناني، ويؤكد على الانعكاسات الخطيرة للتفريغ المنظم لاسيما أصحاب حملة الشهادات ما أفقد لبنان ديناميته في التطور العلمي والتقني، منتقدا غياب الدولة عن هذه القضية التي تحتاج إلى سياسات واستراتيجيات مهمة.
ويرد الوزير السابق محمد عبد الحميد بيضون تنامي حركة الهجرة نحو الخارج إلى تراجع النمو الاقتصادي وغياب الاستقرار الأمني وغلاء المعيشة حيث يعتبر لبنان من أعلى الأكلاف في المنطقة. وأشار إلى أن لبنان يخسر مئة ألف دولار هي كلفة استثمار كل شاب من شبابه يتوجه إنتاجه نحو الخارج، محذرا من أن لبنان يتعرض لتدمير طاقاته الذاتية وإمكانات النمو والتقدم تتناقص في ظل هجرة العنصر الأهم في المجتمع أي الشباب.
بيروت ـ ثناء عطوي
