تعيش دمشق هذه الأيام موسم الحجامة الذي يبدأ مع فصل الربيع ولا يستمر أكثر من أسبوعين. وما إن تبدأ إعلانات الحجامين بالصدور عبر صفحات الأسبوعيات الإعلانية وتلك التي يتم وضعها على الطرق، حتى تبدأ طوابير المحتجمين بالتوافد إلى العناوين وأغلبها في ضواحي دمشق.
وتثير هذه الظاهرة نقاشات حولها وقدراً كبيراً من الجدل، في ضوء ما يراه المتحمسون لها من أنها تحقق المعجزات، فيما يرفضها آخرون معتبرين أنها ظاهرة تعبر عن الجهل والخرافة. ولكن المفارقة أن علماء الدين يبدون أقل الناس تحمساً للحجامة، مقارنة مع بعض الأطباء الذين بدأ بعضهم ممارسة الحجامة في عياداته معلناً عن ذلك بيافطات لافتة للنظر.
ضجة مفتعلة
يقول الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في تعليقه على هذه الضجة: «أذهلني هذا الهياج غير المتوقع والضجيج غير المرتقب الذي حدث في السنوات الماضية. فأحدث إشكالات غريبة وعجيبة. فتساءلت في نفسي ألم يكن الناس قد سمعوا بحديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وما الذي جعلهم يعرضون عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم في السنوات السابقة؟ وينتقلون من النقيض إلى النقيض»، مؤكداً أن الحجامة سنة نبوية مؤكدة.
وفند العلامة الدكتور وهبة الزحيلي الأحاديث الكثيرة التي تتحدث عن الحجامة مؤكدا أنها ليست صحيحة وأنها موضوعة وبعيدة عن النبوة. وأشار الزحيلي إلى حديث واحد صحيح فقط عن الحجامة، مشددا على ضرورة استخدامها ضمن الأصول الطبية السليمة.
ورغم أن الحجامة ممارسة طبية شعبية قديمة عرفتها مجتمعات بشرية من الصين شرقاً مروراً بالآشوريين عام 3300 ق.م، وحتى مصر القديمة غرباً التي عرفتها عام 2200 ق.م. إلا أن المشككين بها ينسبونها عادة إلى الخرافات والجهل المرتبط حسب رأيهم بالدين. وتجنباً للإحراج الناتج عن الخلط بين الخرافة والدين تتحدث نقابة الأطباء عن ممارسات خاطئة من شأنها أن تؤدي إلى عواقب وخيمة على المستوى الصحي.
موقف النقابة
وترى النقابة أن «الحجامة تمارس حالياً في سوريا وبكثرة من قبل العديد من الأطباء وأصحاب المهن الطبية الأخرى وأصحاب المهن غير الطبية كالحلاقين أو المشعوذين أو أصحاب المهن الحرة، وكل عاطل عن العمل ومن يسمون أنفسهم أطباء «الطب الشعبي أو الطب العربي» وهؤلاء لا علم لهم بأصول التعقيم الأمر الذي ينطوي عليه احتمال نقل الأمراض كالتهاب الكبد.
وتؤكد النقابة أن السماح بانتشار الحجامة بين أوساط الأطباء وغير الأطباء وعبر وسائل الإعلام بهذا الشكل يعني أننا مستقبلاً سنجد أنفسنا أمام قائمة من الممارسات العلاجية التي تسمى الطب البديل أو الطب الشعبي. وبما انه لا توجد معايير أو استطبابات للحجامة بالمفهوم الطبي فإن انتشار الحجامة بالشكل الحالي يشكل خطراً على الصحة العامة».
مبالغات
غير أن الدكتور عبد الغني عرفة رئيس جمعية السل في سوريا ورئيس مجموعة البحث العلمي في الحجامة التي أصدرت أخيراً كتاباً حول هذا الموضوع، يقول إن «مناعة الجسم يصيبها الشلل أحياناً والعطالة أحيانا والكسل أحيانا أخرى، فهو بحاجة إلى تنشيط بالحجامة.
وأضاف أنه يوجد لدى الجمعية إحصاءات بالحجامة المطبقة في جميع أنحاء سوريا، لدينا عنها إحصاءات جيدة، وبالنسبة للاستطبابات التي يمكن أن تفيد: الحجامة تفيد في كل الأمراض التي يكون فيها جهاز المناعة متراخياً أو معطلاً مثال: في حالات الشقيقة الآلام العصبية ـ أمراض التغذية ـ مثل السكري ـ وارتفاع ضغط الدم، وعندنا أدلة كثيرة جداً من مختلف الأطباء حول دراسات تبحث في هذا الموضوع على مرضى مع هواتفهم وعناوينهم ويمكن لمن يشاء الاتصال بهم».
ولكن الدكتور عرفة لا ينكر وجود مبالغات ككل شيء، ففي الطب الحديث مبالغة في إمكانية الشفاء، وهذا مستحيل إذ لا يوجد دواء عجائبي يمكن أن يشفي كل الأمراض. فهناك حدود لكل طريقة علاجية بما فيها العلاج بالإبر الصينية والحجامة تنطبق على ما نراه فيما يتعلق بالمعالجة بوخز الإبر، فالكثير من الأطباء جمعوا بين الطريقتين، استفادوا من الإبر التي يستعملها الأطباء المعالجون بوخز الإبر فطبقوا الحجامة.
ويرى الدكتور عدنان سومان العميد بكلية الطب البشري في جامعة دمشق أن الملام في «هذه الضجة المثارة حول الحجامة وسائل الإعلام المختلفة التي ذكرت أن أساتذة كلية الطب يمارسون الحجامة، والحقيقة أن واحداً منهم فقط يقوم بذلك وليسوا كلهم».
أخلاقيات علمية
ويعتبر سومان أن «للبحث العلمي أخلاقيات علمية يجب التقيد بها وأن الكتاب الصادر عن مجموعة البحث حول الحجامة بعيد كل البعد عن أخلاقيات البحث العلمي كونه ذكر أسماء المرضى وهذا تضليل للناس، وممارسة الحجامة صارت للعطار والحلاق والختّان... والزملاء الأطباء يستغلون المرضى بقصد الربح المادي».
ليس الجدل حول الحجامة جدل طبي بحت ولا هو جدل ديني، ولا هو اجتماعي، بل هو كل هذه الأمور مجتمعة. ولكن المشكلة التي تواجه المتصدين لهذه الممارسة عدم وجود ضوابط يمكن أن تميز مابين الحقيقة والوهم وبين الشعوذة والطب، ولذلك فالجدل مستمر.
دمشق ـ تيسير أحمد
