فرض قرار تسلم الجيش أمن البلد واقعاً مغايراً على الساحة اللبنانية، ووضع المؤسسة العسكرية التي بقيت حتى اللحظة الأخيرة على الحياد مرة جديدة أمام امتحان قدرة على تجاوز الانقسام ووضع حد لحرب الشوارع مستفيدة من تجارب الماضي الأليمة، ويتزامن الوضع الجديد الذي فرضته الأحداث الأمنية الأخيرة مع هدوء حذر في بيروت وترقب لزيارة الوفد الوزاري العربي الذي لا تزال مهمته ملتبسة.

في وقت أكدت مصادر رفيعة في المعارضة لـ «البيان» نية المعارضة تصعيد العصيان المدني ليتخذ أشكالا أكثر حدة كإقفال كل مرافق الدولة والمصرف المركزي وامتناع الموظفين عن المداومة في الإدارات ورفض المواطنين دفع الضرائب والرسوم وغيرها من الخطوات في حال إمعان الحكومة غير الشرعية بالاستئثار وعدم التراجع عن قراريها المشهورين. وفي أعقاب إلغاء جلسة انتخاب رئيس للجمهورية التي كانت مقررة بالأمس والتأكيد على عدم انعقاد جلسة مجلس الوزراء اللبناني وتسرب معلومات حول رفض رئيس الحكومة الاستقالة أو اتخاذ أي قرار يتعلق بالأزمة بانتظار وصول اللجنة العربية إلى بيروت، إزاء هذا الواقع انطلقت التحليلات السياسية في بيروت في شتى الاتجاهات.

وأكد المحلل السياسي والخبير الدولي الدكتور شفيق المصري لـ «البيان» أن لبنان أمام سلسلة انتظارات في مقدمتها المهمة الجديدة التي أنيط بها الجيش والتي تضع دوره على المحك لأنه تولى مهمة عجز السياسيون عن القيام بها، معتبرا أن اليوم هو امتحان الجيش الحقيقي وهو إما يقطع الطريق على الفتنة أو يفشل في مهمته وبالتالي يكون اسم المرشح الرئاسي التوافقي قائد الجيش الحالي العماد ميشال سليمان موضع استفهام وتساؤل بعد اليوم.

أضاف: أما الانتظار الثاني فيتعلق بالوفد الوزاري العربي برئاسة قطر والذي يمكن أن يبدأ إما من حيث جمدت مبادرة الأمين العام عمرو موسى، أو تجاوز ذلك تحت تأثير الأحداث الدراماتيكية الأخيرة التي كرست واقعا مختلفا ينبغي على العرب التعامل معه بشكل مختلف، وأشار إلى التباين في التوقعات حول مهمة اللجنة العربية التي قد تطلق مواقف تعبر عن دعم حكومة الرئيس السنيورة أو أنها ستعزز وتدعم موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري كوسيط في هذه الأزمة.

لافتا إلى أن الانتظار الثالث يتعلق بزيارة الرئيس الأميركي جورج بوش إلى إسرائيل بعد أيام وما يمكن أن يسبق ويلحق هذه الزيارة من تأثير وتغيير في المواقف، معتبرا أنه أمام كل هذه الاستحقاقات المرتقبة لا يمكننا توقع ما ستؤول إليه الأمور في لبنان بانتظار تبلور النتائج خلال الأسبوع المقبل الذي سيكون حاسما على المستويين السياسي والميداني الأمني.

أمين عام مجلس النواب للشؤون الخارجية بلال شرارة أكد وجود نوعين من التسريبات وصلت إلى مقر الرئاسة الثانية في عين التينة: معلومات مصدرها السراي الحكومي تؤكد رفض الرئيس فؤاد السنيورة التراجع عن القرارين واستبعاد الاستقالة، ومعلومات مصدرها قصر قريطم أي مقر رئيس كتلة المستقبل سعد الحريري وكليمنصو مركز الزعيم الدرزي وليد جنبلاط تجزم بتوجه فريق الموالاة نحو المشاركة في الحوار والنية في العودة عن القرارين الشهيرين مع تأكيد من قبل جنبلاط على وضع صيغة العشرات الثلاث التي جرى التداول بها سابقا للتشكيلة الوزارية موضع النقاش والبحث تمهيدا للوصول إلى حكومة وحدة وطنية لا خلافية، ولفت إلى استغراب رئيس مجلس النواب ومعه قيادة المعارضة بشدة تناقض آراء ومواقف الحكومة.

ففي الوقت الذي أحال فيه السنيورة القرارين الأخيرين إلى قائد الجيش خرج وزير خارجيته بالوكالة طارق متري في الاجتماع الوزاري العربي لينزع أي صفة عن العماد سليمان قائلا بالحرف الواحد أنه مجرد موظف إداري لا يمكنه الاضطلاع بدور سياسي. وقال شرارة إنه بانتظار انقضاء المهلة المعطاة لعناصر التقدمي لتسليم مراكزهم وأسلحتهم إلى الجيش اللبناني، وهي المهمة التي تولتها المعارضة بداية، حيث تركز دورها على تسليم مراكز وأسلحة الميليشيات للجيش.

ومع بدء العد العكسي لوصول الوفد الوزاري العربي آتيا إلى بيروت، فإنه أمام الحكومة غير الشرعية ثلاثة خيارات: إما تبني موقف قيادة الجيش والسير قدما في إعادة إرساء الأمن والاستقرار، وإما المماطلة، وإما الخروج من ورطة القرارين بحل لائق ومناسب، معتبرا أنه إذا ما اتخذت هذه الحكومة قرارا إيجابيا فإنها تكون قد فتحت أبواب البلد على الحلول، محذرا من أن المعارضة تدرس الخيارات المتاحة في المرحلة المقبلة وفي مقدمها تصعيد العصيان المدني بكافة الأشكال المتاحة، مؤكدا على الجهود التي بذلها الرئيس نبيه بري وتدخله بشكل حازم لوقف التدهور كي لا تندفع الأمور باتجاه تصاعدي وتواصله المستمر مع جنبلاط والحريري للملمة الوضع وتطويقه خلال أيام الأزمة الماضية.

الكاتب والمحلل السياسي طوني فرنسيس وصف ما جرى في بيروت وامتد إلى المناطق اللبنانية الأخرى بالعصيان العسكري، واعتبر أن هذا العصيان وصل إلى نهايته اليوم أي على الأرض، ففي بيروت انتهت المعركة وفي الجبل فشل المتقاتلون من الطرفين والمسيحيون بقوا خارج هذه المعادلة وفي الشمال لا وجود للمعارضة أما في البقاع فالتوازن موجود وقائم.

وأكد أن الحل لن يأتي عبر العرب والعجم بل هو محض داخلي والجميع في لبنان مقتنع بذلك ومقتنع بأكثر من ذلك أي بضرورة الخروج من الوضع القائم عبر الدخول بتسوية سياسية كبيرة تشمل الرئيس والحكومة وقانون الانتخاب وكل البنود الخلافية، لافتا إلى أن الاتصالات والمساعي ناشطة والجميع رمى بالحمل الثقيل على الجيش وهو أمر مفيد يقطع الطريق على فتنة بين الجيش والمقاومة من جهة ويعيد لهذه المؤسسة دورها العملي بعد الذي انحصر بموقف المتفرج طيلة الأحداث.

بيروت ـ ثناء عطوي