مع اندلاع شرارة الأوضاع في لبنان الأسبوع الماضي إثر الخلاف بين المعارضة والحكومة حارت الأنظار في الجهة التي تتوجه إليها لوأد الأزمة في مهدها على أمل الخروج بالأوضاع في لبنان إلى بر الأمان. وإزاء حالة الاستقطاب الحاد بين مختلف الفرقاء اللبنانيين، وحالة التوجس من تدخل دولي في ظل الشكوك والهواجس المختلفة التي تحيط بمثل هذا التدخل، بدت الآمال معلقة على الجانب العربي لاتخاذ موقف فاعل، الأمر الذي يعد موضع اختبار فعلي حتى لحظة كتابة هذه السطور.

السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل ينجح مثل هذا التدخل في نزع فتيل الأزمة، أو على الأقل وضعها على طريق الحل، أم على العكس يدفع بها نحو مزيد من التصعيد؟ تكشف نظرة إلى الخبرات السابقة للمواقف العربية في مثل هذه الأزمات، عن عجز عربي يفاقم في أغلب الأحوال من الأوضاع القائمة ويفسح المجال لتدخل دولي على نحو يجعل مصير الأزمة وبالتالي المنطقة رهن بهذا التدخل.

ومن أمثلة ذلك الموقف العربي خلال أزمة الخليج الأولى التي تمثلت في غزو صدام حسين للكويت عام 1990، وليس هنا مجال الدخول في تفاصيلها وإن كان محصلتها العامة استدعاء القوات الأجنبية على نحو انتهى بالقضاء على نظام عربي يمثل أحد أطراف الأزمة الأصلية هو العراق، الذي تعد تطورات الوضع به في الوقت الحالي أحد إفرازات الإخفاق العربي.

موقف يراوح مكانه

أما على صعيد لبنان فإن موقف الجامعة العربية، على مدى الشهور الماضية لإخراج الأزمة السياسية اللبنانية من الدوامة التي تشهدها راوح مكانه، وقد أخفقت جهود عمرو موسى الأمين العام للجامعة في حلحلة مواقف الأطراف الرئيسية ما انعكس في انفجار الأزمة على النحو الذي تابعنا ملامح منه خلال الأيام الأخيرة. والسؤال هنا: هل يمثل الموقف العربي بشأن التطورات الجديدة في لبنان استثناء في ضوء النظر للأزمات السابقة؟ من المؤسف أن نؤكد أن الأمر لن يكون كذلك، في ضوء عدة اعتبارات يأتي على رأسها:

ـ أن الأزمة الجديدة التي يشهدها لبنان حالياً ليست أزمة مستقلة بذاتها وإنما هي امتداد لأزمة سابقة، لم تفلح الجهود العربية في حلها.

ـ أن ملامح الدور العربي للتدخل في الأزمة تثور بشأنه التساؤلات في ظل بديهية تقوم على ضرورة التزام الوسيط في أي أزمة بالحياد وهي السمة المفقودة في الطرح العربي الآن، حيث يمكن للمتأمل أن يلمس انعكاس مرآة الاستقطاب اللبناني على الموقف العربي ذاته.

استقطاب عربي

فمن ناحية ساد خلاف بشأن اجتماع وزراء الخارجية العرب التي بادرت مصر بالدعوة إليه، حيث تحفظت عليه سوريا وقطر، وهو الموقف الذي امتد إلى أعمال الاجتماع، وانعكس إلى حد كبير في بيانه الختامي. فقد ساد الاجتماع، الذي غاب عنه وزير الخارجية السوري وليد المعلم فيما يؤشر لتأكيد دمشق على التمسك بموقفها الأساسي بشأن الأزمة، اختلاف في النظر للأزمة على نحو بدا معه أن هناك أطرافاً عربية تلتزم موقفاً أقرب إلى موقف الحكومة وأخرى تلتزم موقف أقرب إلى مواقف المعارضة.

وتجلى ذلك بشكل رئيسي في الموقف من حزب الله، حيث انه فيما دعت مصر والسعودية إلى إدانته في البيان الختامي، رفضت سوريا وقطر هذا المطلب. وانتهى الأمر إلى تجنب اتخاذ موقف واضح بشأن الإدانة أخذا بما ذهبت إليه دول عربية أخرى من أن إقرارها قد يؤدي إلى اشتعال الموقف أكثر.

فضلاً عن ذلك فقد حمل البيان الختامي ما يمكن اعتباره نبرة إدانة وإن كانت غير قوية للمعارضة، وهو ما تمثل في الإشادة بموقف الحكومة إسناد الأمر إلى الجيش والترحيب بموقف هذا الأخير، دون التطرق إلى السبب الرئيسي للأزمة.

وفيما يعزز ما نذهب إليه من أن البيان يعكس هذا التوجه تأكيده على رفض استخدام العنف المسلح لتحقيق أهداف سياسية خارج إطار الشرعية الدستورية، والمقصود هنا بالطبع تلك الممارسات التي قام بها حزب الله في بيروت وتبعها بأخرى في الجبل. وعلى ذلك فإن النتيجة الأساسية التي يمكن الانتهاء إليها أن البيان، وهو توافقي في كل الأحوال مثل إدانة بشكل أو بآخر لحزب الله، وتغافل عن انتقاد موقف الحكومة. ولاشك أن ذلك سينعكس على موقف المعارضة من أي تحرك مستقبلي لوضع الرؤية العربية، حسبما مثلها البيان، على أرض الواقع.

المهمة الصعبة

وعلى ذلك، وعلى هذه الخلفية يمكن لنا توقع المهمة الصعبة التي ستجد اللجنة الوزارية المكلفة بمتابعة الأزمة نفسها فيها، الأمر الذي قد ينتهي بها للأسف إلى الدوران في حلقة مفرغة، على شاكلة تلك التي عاناها عمرو موسى في مساعيه للتوسط بين الفرقاء اللبنانيين.

ويعكس هذا الوضع حالة العجز العربي الشامل التي تتبدى على صعيد مختلف أوجه العمل العربي المشترك، والتي تجعل هذا العمل رهن إرادة التجاذبات الدولية، وافتقاد القدرة على المبادرة لامتلاك زمام الأمور على نحو ما تناولناه في موضوع آخر على صفحات الملف.

غير أنه رغم ذلك، فإن الصورة لا تبدو مظلمة تماماً، في ضوء ما نراه من أن موقف الجيش اللبناني يتقدم على الموقف العربي، ما يجعل الآمال معلقة عليه في الوصول بالأزمة إلى بر الأمان، رغم أن ذلك أيضاً لن يكون بمنأى عن مواقف أطراف إقليمية ودولية مختلفة.

فعلى عكس منتقدي حياد الجيش، فإن هذا الحياد هو الذي أنقذ لبنان من امتداد نار الحرب إلى كافة أراضيه، حيث انه بفضله تم الحفاظ على وحدة الجيش ذاته، فضلاً عن اكتساب ثقة الأطراف المختلفة المتداخلة في الأزمة. ويبدو ذلك واضحاً في مبادرة الحكومة وضع القرارين موضع الاختلاف في عهدة الجيش، ومبادرة هذا الأخير إلى تلقف هذا التطور بمواقف لقيت ترحيباً من قبل قوى الموالاة ونصف ترحيب إن صح القول من قوى المعارضة، من خلال إبقاء العميد شقير في منصبه، على أن يعالج موضوع شبكة الاتصالات في الجيش بما لا يضر بالمصلحة العامة وأمن المقاومة.

في ضوء هذا التصور لدور الجيش، وبفعل الأجواء التي أشاعتها توترات الأيام الأخيرة من مخاوف حقيقية من عودة إلى كابوس الحرب الأهلية، فإن الآمال تبقى معلقة بحكمة الفرقاء في محاولة مواجهة بؤر التوتر على نحو يعيد لبنان إلى أجواء ما قبل اغتيال الحريري، وهو أمر يبدو أن الطريق إليه طويل.

مصطفى عبد الرازق