هنا أنت في صحبة آل مكتوم، يتناولونك من صورة جميلة إلى صورة أجمل، فقف ما شئت من زمن، واحفر بعينيك في اللوحات بحثا عن معنى جديد، وانصف بقلبك إن شئت وصفا أو فالصمت أولى، لا صوت يعلو فوق صوت الأغنيات الآتيات مع نسيم الذكريات.
هنا في بيت المغفور له الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم تتوقف عقارب الساعة، ويظل إحساسك بالزمن رهن أحاديث الجدران وهمس الزخارف وحكايا البراجيل، براجيل أربعة بوسعها أن تدلك عبر شرفاتها على ما كان وما هو كائن، صورة دبي الحديثة بمبانيها المعمارية على أحدث طراز، ودبي العائدة إلى عام 1896 حيث تاريخ إنشاء بيت الشيخ سعيد، تندهش، فلا فرق بين الصورتين، فهنا السواعد التي بذرت ورفعت راية التأسيس، وهنا السواعد التي شمخت وتناوبت على حمل الراية على مر التاريخ، تعود إلى داخلك وتسأل ثم تجيب على نفسك، بيت الشيخ سعيد ليس مجرد جدران، إنه قصة تاريخ وفصل من فصول نجاحات آل مكتوم.
أن تتجول في بيت الشيخ سعيد وتتنقل بين أجنحته فهذه هي المتعة، أنت الآن في صورة قديمة جدا للبيت والساحة المحيطة به، تطالعك الوجوه الضاحكة فتشعر بأنك واحد من العائدين من السوق حاملين أطفالهم وأيديهم السمراء قابضة على مشترياتهم، وأنت في صورة أخرى لمنطقة الشندغة تخلع حذاءك وترفع ثنية بنطالك عابرا الماء مع السائرين، تخرج من جناح وتدخل آخر، غناء الصيادين يملأ الغرفة، تتفحص النقود والطوابع التذكارية، تشاكس بائع الأقمشة، وتداعب بائع الأسماك فيرد عليك بابتسامة تكاد تخترق إطار الصورة.
يطل بيت الشيخ سعيد على مدخل الخليج على الخور في منطقة الشندغة ببر دبي، ويعد من الآثار الوطنية المميزة، إذ يعود تاريخ بنائه إلى سنة 1896 وكان بمثابة ديوان للحكومة المحلية بالإضافة إلى كونه المقر الرسمي للحاكم، وبدأ مشروع إعادة بنائه الطموح عام 1986 وفاز وقتها بجائزة من منظمة المدن العربية للمحافظة على المباني التراثية. واليوم، وبعد أن أعيد ترميمه بالكامل وإعادته إلى هيئته السابقة، يضم المبنى معرضا مثيرا للصور الفوتوغرافية والرسومات والمصنوعات اليدوية واللوحات التصويرية للتطور المتلاحق للإمارة. و بيت الشيخ سعيد يستحق بلا شك الزيارة لمعرفة التاريخ والثقافة والمعمار العربي.
بني بيت الشيخ سعيد على نفس الطراز الخليجي العربي وهو يمثل نموذجا رائعا للتصميم الإسلامي بسقفه المرتفع القائم على أعمدة ومداخله المقوسة ونوافذه المنحوتة والتي كانت تمثل فنا معماريا في بدايات القرن التاسع عشر وتميز المبنى التاريخي المكون من طابقين. في الطابق الأرضي توجد غرفة اجتماعات واسعة (مجلس) وغرفة معيشة فاخرة ومخازن ومطبخ مفتوح على ساحة مركزية محاطة بجدران مرتفعة للحماية من رياح الصحراء الساخنة.
وتوجد في الطابق العلوي عدة حجرات للنوم وشرفات تطل على الخور وعلى منظر خلاب للمدينة، وتتصدر واجهة المنزل ما كان يعرف بأنه أقدم نظام تكييف هواء في العالم، وهو برج بأربعة نوافذ (بارجيل) كان الوسيلة التقليدية لتبريد الهواء داخل المنزل أثناء شهور الصيف، ويعد البيت من أهم معالم العمارة التراثية التقليدية في الإمارة نظراً لقيمته التاريخية باعتباره مقرا لسكن الحاكم الشيخ سعيد آل مكتوم حتى وفاته في عام 1958.
ويتميز البيت بأبراجه الهوائية الشاهقة (أربعة براجيل) وزخارفه الجمالية وكلها من العناصر المعمارية التي أكدت الأصالة التراثية والتاريخية لهذا المبنى الذي تبلغ أبعاده 54 ٍّ 48 م وتتفاوت ارتفاعاته بين طابق وطابقين، وقد تم ترميم المبنى عام 1986 واستخدم كمتحف للصور والوثائق التاريخية لإمارة دبي.
ويمثل معرض الصور الفوتوغرافية النادرة التي التقطت لدبي خلال الفترة بين 1948 و1953 إطلالة مثيرة على المدينة قبل اكتشاف النفط، وفرصة لاطلاع الزائر عبر المشاهد على التنمية والنمو في دبي، ومن ضمن الصور الفوتوغرافية واحدة لقلعة الفهيدي التي تم تشييدها عام 1799 لحماية المدينة ضد الغزو الأجنبي، ومدرسة الأحمدية التي تعد رائدة في مجال التعليم في الإمارة، وصورة آخرى لمستشفى المكتوم التي أدخلت الرعاية الطبية الحديثة لسكان دبي، إضافة لمجموعة من المعروضات الأخرى كالسفن الراسية على الساحل وخيام الصيادين على الشاطئ والمناطق المجاورة القديمة ببراجيلها الشهيرة.
ولأن علاقة دبي مع البحر أزلية فقد تم تجسيدها بصورة دراماتيكية في الجناح البحري من بيت الشيخ سعيد حيث يؤرخ معرض الصور والمخطوطات لصناعة صيد الأسماك في المدينة بالإضافة إلى تطور بناء المراكب وصناعة الشباك والغوص من أجل اللؤلؤ، وتعرض أيضا نماذج لعدة أنواع من المراكب المستخدمة خلال تلك الفترة بما في ذلك مراكب الصيد واللؤلؤ والعبرة والمراكب التقليدية التي تسمى «السمبك» و«الجايبوت».
ويضم معرض الغوص موازين القياس والأوزان ومعدات تصنيف اللؤلؤ تكريما لموقع دبي المتميز كمركز لصيد اللؤلؤ، وفي جناح منفصل من المبنى، توجد مجموعة من الصور الفوتوغرافية واللوحات تحكي الحياة الاجتماعية والثقافية والتعليمية والدينية في دبي خلال الخمسينات.
وتوضح نماذج للفن المعماري الذي كان سائدا في ذلك الوقت، بينما تركز المعروضات الأخرى على أشكال الفن والرقص التقليدي الذي يعبر عن طريقة حياة الناس. ويستطيع الزائر أيضا الاطلاع على الحقائق القاسية لحياة العرب الرحل في الصحراء من خلال مقالة تصويرية تجسد البدوي الفخور بنفسه والمشغول بحياته اليومية من حفر الآبار ونقل التمور على ظهور الجمال وحمل الأخشاب إلى السوق بالإضافة إلى الألعاب الشعبية مثل سباق الجمال والصيد بالصقور.
عن انطباعات زيارته للمكان يقول الأميركي عامر محمد : كنت حريصا وأنا أزور دبي لأول مرة أن أطلع على تاريخها وتراثها، وبالفعل وجدت هنا سلسلة من المعلومات الكافية التي تعرف بالمدينة، والمدهش أن المكان حافل بالصور المعبرة وأعجبتني طريقة عرض العملات النقدية والطوابع القديمة وأدوات الزراعة المستخدمة قديما.ويقول المواطن أحمد الجسمي : أنا مهتم بكل ما هو أثري وأعود أولادي أن يطلعوا على تاريخ الأجداد لأربطهم بالتراث.
عز الدين الأسواني


