ثلاثة أشهر مضت على إعلان إقليم كوسوفو ذي الأغلبية الألبانية الاستقلال عن صربيا، وهو ما كان متوقعاً بعد مرور 11 عاماً على تفجر التوتر العرقي وتحوله إلى تطهير عرقي، وبعد مرور 9 أعوام على تدخل الأمم المتحدة لحفظ السلام، ولكن الأمور لم تتغير كثيراً على أرض الواقع رغم إعلان بعض الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة اعترافها بالدولة الوليدة. فصربيا وحليفتها روسيا لا تزالان تعارضان هذه الخطوة وتصران على عدم الاعتراف باستقلال الإقليم الذي تعتبره صربيا جزءاً منها، ولا يزال هناك الكثير من المشاكل التي يتعين على سكان الإقليم مواجهتها.
والآن بعد أن هدأت هوجة الاحتفالات، هناك سؤال أخذ يفرض نفسه بقوة: ماذا بعد استقلال كوسوفو؟ في الوقت الراهن ينصب القلق على احتمال اندلاع العنف في الإقليم من جديد، ولكن هذا القلق سرعان ما سيزول لأن الحقائق على أرض الواقع تستبعد قيام الصرب بشن هجوم شامل على الدولة الجديدة بالنظر إلى وجود قوات حفظ السلام والدعم الذي تلقاه من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، فالخطر الحقيقي الذي يتهدد استقرار كوسوفو ليس خطراً خارجياً وإنما هو خطر كامن في الداخل.
صحيح أن الإدارة الدولية للإقليم نجحت في استعادة النظام وترسيخ الأمن والسلام، ولكنها في الوقت نفسه أبقت كوسوفو في حالة من الركود الاقتصادي بينما شهدت بقية الدول الأوروبية نمواً ملموساً خلال العقد الماضي.
ومع أن الشباب ممن هم دون سن 30 عاماً يشكلون 65% من السكان في كوسوفو، وهم بالطبع عماد النمو في أي بلد، إلا أن غالبية هؤلاء عاطلون عن العمل.
وكوسوفو لا تنتج شيئاً تقريباً، فصناعاتها الثقيلة التقليدية استنزفت بشكل سيئ خلال فترة حكم سلوبودان ميلوسوفيتش القاسية. وحتى قرار الأمم المتحدة بتشجيع التجارة الحرة لن يغير من الأمر شيئاً لأنه يعني أن القطاع الزراعي لن يستطيع المنافسة حتى داخل كوسوفو، فالطماطم التي تأتي من اليونان، على سبيل المثال، أرخص من تلك التي تزرع في الإقليم. وهكذا فإن كوسوفو تبدأ مشوارها كدولة مستقلة بعجز تجاري تبلغ نسبته 90%.
وإلى جانب الوضع الاقتصادي الصعب، هناك المشكلات السياسية الناجمة عن إعلان الاستقلال والمتعلقة بصرب كوسوفو واحتمال مطالبتهم بالانفصال عن الكيان الجديد والانضمام إلى صربيا. وهناك تساؤلات لدى بعض المراقبين حول مدى التزام الولايات المتحدة وأوروبا بدعم كوسوفو وضمان أمنها واستقلالها. فهذه الدول ستدفع ثمناً باهظاً مقابل وقوفها إلى جانب ألبان كوسوفو، فروسيا ترفض إعلان الاستقلال وستستخدم حق النقض الفيتو الذي تتمتع به في مجلس الأمن من أجل الحيلولة دون انضمام الدولة الجديدة إلى الأمم المتحدة كما أنها استغلت سابقة انفصال كوسوفو لتقديم دعم صريح لمنطقتي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية في سعيهما للانفصال عن جورجيا.
السؤال المطروح الآن هو: ما الخيارات المتاحة أمام كوسوفو والقوى الداعمة لها؟ من الضروري إدراك حقيقة أن اللاعبين الأساسيين في المجتمع الدولي رفضوا التحلي بالمرونة فيما يتعلق بالحل المقترح لمشكلة كوسوفو، وقد أدى غياب الدبلوماسية الخلاقة إلى استبعاد الخيارات الواقعية وأغلق الأذهان عن حقيقة أن الاستقلال، رغم كونه ضرورياً ومشروعاً، لا يحل مشاكل الإقليم. فجذور الصراع إقليمية، ولكن العقليات التي ينبغي أن تتغير ليست في البلقان فحسب، وإنما هي في بروكسل وواشنطن أيضاً.
إن اعتراف الولايات المتحدة والعديد من الدول الأوروبية باستقلال كوسوفو هو أمر مرحب به ولكن السؤال الحقيقي هو ماذا ستفعل بعد ذلك. وإلى أن تمتلك هذه الدول الشجاعة السياسية والرؤية الواضحة لمواجهة المأزق الإقليمي والإنساني الذي يمثل لب هذا الصراع، فإن ألبان كوسوفو سيجدون أنفسهم في وضع لم يتغير كثيراً وأنهم لم ينالوا من الاستقلال سوى الاسم.
