تعيش الولايات المتحدة هذه الأيام أزمة في أفغانستان، فلا هي قادرة على حسم القتال ضد طالبان بزيادة حجم قواتها المنتشرة في البلاد بسبب حاجتها إليها في العراق ولا هي قادرة على إقناع الدول الأعضاء في الناتو بتقديم المزيد من القوات لمواجهة الخطر المتصاعد من حركة طالبان.

شهدت الأيام القليلة الماضية تصاعداً في العنف وتدهوراً في الوضع الأمني في أفغانستان توج، مؤخراً، بمحاولة اغتيال الرئيس الأفغاني حامد قرضاي أثناء الاحتفال بالذكرى السنوية الـ 16 للإطاحة بحكومة نجيب الله المدعومة من السوفييت في عام 1992.

وقد مثلت هذه الحادثة تحولاً في تكتيك حركة طالبان الأفغانية باستهداف حفل على هذا المستوى، وبحضور لفيف من الشخصيات الرفيعة في الحكومة الأفغانية والبرلمان والمسؤولين العسكريين في قوات الناتو العاملة في أفغانستان إلى جانب الدبلوماسيين الأجانب وعلى رأسهم السفير الأميركي وليام وود.

فقد أظهرت تلك العملية جرأة كبيرة من جانب طالبان وضعفاً واضحاً من جانب قوات الأمن الأفغانية وقوات الناتو الداعمة لها خاصة بالنظر إلى الإجراءات الأمنية الاستثنائية التي اتخذت لتأمين الحفل الذي كان يبث على الهواء مباشرة عبر التلفزيون الأفغاني.

فقبل أيام من موعد انعقاد الحفل، عمدت قوات الأمن الأفغانية إلى عزل المنطقة ونشر أفراد أمن بملابس مدنية في جميع أنحاء كابول ونصب حواجز تفتيش على الطرقات للمركبات، ومنع المواطنون من الوصول إلى رؤوس التلال المطلة على موقع الحدث، وتم نشر جنود في دبابات وعربات مدرعة في الساحة التي ستحتضن الاستعراض العسكري احتفالاً بالمناسبة والتي تقع بالقرب من القصر الرئاسي.

تكتيك جديد لطالبان

هذه الحقائق مجتمعة تظهر مدى تدهور الوضع الأمني في أفغانستان التي تشير التقارير إلى أن الحكومة الأفغانية لا تسيطر فيها إلا على حوالي 30% من البلاد، بينما تسيطر حركة طالبان على أكثر من 56% منها بحسب تقارير استخبارية أميركية. وما يعزز هذا التقدير هو اعتماد مقاتلي حركة طالبان على تكتيك جديد في مواجهة القوات الأفغانية والأميركية وقوات الناتو يقضي باستهداف أماكن خارج مناطق الجنوب والشرق التي تعتبر معاقل الحركة والتي تتجمع فيها معظم القوات الأجنبية.

وبحسب دراسة حديثة أجراها سامي كوفانين، وهو محلل يعمل لصالح شركة أمنية تدعى «فيجيلانت استراتيجيك سيرفيسيس أوف أفغانستان»، فإن عدد الهجمات التي شنها مقاتلو طالبان على مواقع تقع خارج نطاق المناطق الجنوبية في البلاد قد ارتفع إلى 465 خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2008، أي بزيادة 35% مقارنة مع الفترة نفسها من العام الماضي.

وفي المناطق الوسطى المحيطة بكابول بلغ عدد الهجمات التي شنها مقاتلو الحركة 80 هجمة خلال الفترة المذكورة، أي بارتفاع نسبته 70% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. والأمر نفسه ينطبق على المناطق الغربية والشمالية من البلاد حيث ينشط الحزب الإسلامي بزعامة قلب الدين حكمتيار والمتحالف مع طالبان.

إن هذا الوضع المتدهور هو ما يفسر قيام الولايات المتحدة بتعزيز قواتها المتواجدة في أفغانستان بـ 3500 عنصر وسعي الرئيس الأميركي إلى حشد التمويل من الكونجرس لتدعيم العمليات العسكرية هناك وما يسميه جهود إعادة إعمار أفغانستان التي يبدو أنها ما زالت تراوح مكانها رغم مرور أكثر من ستة أعوام على الغزو الأميركي للبلاد.

وهناك مشكلة أخرى تواجهها الولايات المتحدة في هذا البلد الذي توالت عليه النكبات وتتمثل في إحجام الدول الحليفة لواشنطن عن تقديم المزيد من القوات لتعزيز القدرات العسكرية لقوات الناتو المنتشرة في أفغانستان والتي يبلغ تعدادها مع القوات الأميركية 70 ألفاً.

إن ما يزيد الوضع الأفغاني صعوبة بالنسبة لواشنطن هو أن الولايات المتحدة عالقة في المستنقع العراقي ولا تستطيع تحويل جزء من قواتها إلى أفغانستان قبل تحسن الوضع الأمني في العراق، الأمر الذي يبدو بعيد المنال حتى الآن.

والعامل الآخر يتمثل في التفاف الأفغان حول طالبان وتنامي الشعور بالمقت اتجاه القوات الأجنبية في البلاد خاصة في ضوء عمليات القصف العشوائية التي تمارسها تلك القوات وتطال السكان المدنيين، فقد قتل أكثر من 12 ألف مواطن أفغاني خلال العامين الماضيين. هذا بالإضافة إلى أن الوعود الأميركية بإعادة إعمار البلاد وتوفير الرفاهية للمواطن الأفغاني في محاولة لكسب العقول والقلوب لم تتحقق، حيث ما زالت معظم المناطق الأفغانية تفتقر إلى أبسط الخدمات ومقومات الحياة.

تحليل استراتيجي لافت

غير أن اللافت في تعليقات المحللين على حادثة محاولة اغتيال قرضاي الأخيرة تعليق لاثنين من كبار المحللين الاستراتيجيين الأميركيين قرأته على موقع لوكالة «ستراتفور»، وهي وكالة استخبارات أميركية خاصة توصف بأنها «وكالة موازية للسي آي إيه» جاء فيه إنه وعلى الرغم من أن الهجوم على الاحتفال أظهر ضعف قوات الأمن الأفغانية وهشاشة الوضع الأمني في البلاد، إلا أنه أثبت في الوقت نفسه ضعفاً في جانب حركة طالبان التي لم تستطع الاستفادة من الفرصة الذهبية التي سنحت لها.

فهي لم تستطع رغم الوقت الكافي من التخطيط أن توقع عدداً كبيراً من الخسائر البشرية، وكان باستطاعتها أن تجند منفذين ببنادق قناصة بدلاً من استخدام بنادق إيه كي-47، وكان بمقدور اثنين من القناصة فقط أن يوقعا العديد من الشخصيات البارزة بين الحضور صرعى نيرانهم خلال التحية بإطلاق المدافع 21 طلقة قبل أن يحس أحد بوقوع الهجوم.

ومع ذلك يقر المحللان الأميركيان بحقيقة أن الهجوم مثل نصراً تكتيكياً لحركة طالبان حتى وإن لم يؤد إلى مقتل قرضاي، فقد نجح في تخريب الحفل والوصول إلى مكان قريب من المنصة رغم الإجراءات الأمنية المشددة، والأهم من كل ذلك هو أنه أظهر أمام وسائل الإعلام العالمية في بث حي ومباشر مدى ضعف قوات الأمن الأفغانية وهشاشة الوضع الأمني في قلب العاصمة الأفغانية. كما أنه دحض المزاعم الأميركية القائلة بأن حركة طالبان باتت في وضع الدفاع.

إن التصعيد الحاصل في أفغانستان وتنامي قوة حركة طالبان هما أمران لا يمكن إنكارهما حالياً فحتى ياب دي هوب شيفر، الأمين العام لحلف شمال الأطلسي أقر بأن حركة طالبان تسيطر على أكثر من 56% من الأراضي الأفغانية. وقال رمضان بشاردوست، وهو عضو في البرلمان الأفغاني في تعليقه على المأزق الذي تعيشه الحكومة الأفغانية وحماتها من القوات الأميركية والناتو: «لا توجد قوات أمن في أفغانستان يثق بها الشعب.

فمن انتبه لحادثة الهجوم على الاحتفال بيوم المجاهدين، لا بد أنه قد لاحظ كيف هربت قوات الأمن من المنطقة قبل أن يهرب الناس العاديون». هذه التصريحات وغيرها الكثير تعكس نظرة متشائمة إلى مستقبل الأوضاع في أفغانستان الذي تشير تقديرات المراقبين إلى أنه سيشهد تصاعداً في العنف والعنف المضاد في دائرة قد لا تنتهي في المنظور القريب.