تصاعد التوتر، مؤخراً، بين روسيا وجورجيا حول إقليم أبخازيا الانفصالي الذي ترابط فيه قوات روسية لحفظ السلام منذ عام 1994 بتفويض من رابطة الدول المستقلة عقب المواجهات العسكرية التي وقعت في 1993 بين سكان الإقليم وغالبيتهم من الروس وقوات جورجيا التي تعتبر الإقليم جزءاً منها.

وقد انتابت الكثير من المراقبين المخاوف من احتمال اندلاع مواجهة عسكرية مفتوحة بين روسيا وجورجيا، حيث تبادلت الدولتان الاتهامات حول نوايا كل منهما. ففي الوقت الذي استنفرت جورجيا قواتها وحشدتها على الحدود مع أبخازيا ووجهت في الوقت نفسه اتهاماً مباشراً لموسكو بدعم انفصال أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية عن الوطن الأم وتعزيز وجودها العسكري في هذين الإقليمين والقيام بإسقاط طائرة تجسس جورجية فوق أراضي أبخازيا، نفت موسكو ذلك الاتهام بل واتهمت جورجيا بالتخطيط لغزو عسكري لأبخازيا مدللة على ذلك بالحشد العسكري الكبير على حدودها مع الإقليم.

وقطعت جورجيا في تصعيدها للموقف خطوة أخرى بإعلانها الانسحاب من معاهدة الدفاع الجوي الموقعة مع روسيا. ودخلت أطراف أخرى على الخط، فقد اعتبر خافير سولانا، منسق السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، قيام روسيا بإرسال تعزيزات عسكرية إلى أبخازيا إجراء غير حكيم. أما الولايات المتحدة فقد دعت موسكو إلى التوقف عن الإجراءات والخطوات الاستفزازية في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية.

إن موجة التوتر الأخيرة ليست جديدة فقد سبقتها موجات أخرى اتخذت أسباباً وذرائع آنية، ففي عام 2006 أقدمت تبليسي على طرد أربعة ضباط روس قالت إنهم جواسيس لبلادهم، وردت روسيا عليها بمنع السفر بين البلدين وقطع الخدمات البريدية بينهما، وهو ما أدى عملياً إلى قطع العلاقات التجارية مع جورجيا. ولم تتم إعادة تلك العلاقات إلا في مارس من العام الحالي.

وفي أغسطس من عام 2007، سقط صاروخ روسي في حقل للبطاطا في جورجيا مما أثار استياء تبليسي، التي عبرت عن مخاوفها من النوايا الروسية. والأمر الذي زاد من مخاوف الجورجيين أن الروس لم يخفوا نواياهم فيما يتعلق بإقليمي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية عندما هددوا بأنهم سيدعمون مطلب استقلال الإقليمين في حال قبل المجتمع الدولي بإعلان استقلال كوسوفو عن صربيا، حليفة موسكو التاريخية.

الأبعاد الدولية للصراع

لكن التوتر السائد بين روسيا وجارتها يتخذ أبعاداً دولية تتجاوز حدود الدولتين، فالغرب بقيادة الولايات المتحدة يدعم الحكومة الجورجية الموالية له بزعامة ميخائيل سكاشفيلي ويرى في تلك الدولة السوفييتية السابقة حليفاً مستقبلياً في الناتو وطريق عبور حيوية للطاقة، وهو ما يعتبر تحدياً لروسيا التي تقع جورجيا على حدودها الجنوبية. فروسيا من جانبها تعتبر أن صراعها مع جورجيا ليس صراعاً موجهاً لهذه الدولة الصغيرة ولكنه موجه ضد النفوذ الأميركي والغربي المتنامي في منطقة القوقاز.

هذا الأمر يتضح من حقيقة أن روسيا اعتبرت في بادئ الأمر الثورة الوردية في جورجيا التي أطاحت بنظام إدوارد شيفرنادزة بمثابة فرصة تاريخية. ففي نوفمبر من عام 2003 طار وزير الخارجية الروسي ايغور إيفانوف إلى تبليسي على وجه السرعة وأقنع شيفرنادزة بالتخلي عن السلطة لصالح سكاشفيلي. وبعد ذلك ببضعة أشهر، ساعد إيفانوف في الترتيب لعملية إعادة الدمج السلمية لمنطقة أدجارا، وهي إحدى المناطق التي كانت تشهد توتراً، في جورجيا الأم.

غير أنه، على النقيض مما كانت تتوقعه موسكو من النظام الجديد، تبنى سكاشفيلي وفريقه على الفور تقريباً لهجة معادية لروسيا وبدأوا المطالبة برحيل القوات الروسية المتبقية في قواعد لها بجورجيا وقوات حفظ السلام الروسية من أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية.

سياسة روسية جديدة

في التعامل مع هذه المطالب، لجأت روسيا إلى اعتماد سياسة جديدة تقوم على عنصرين رئيسيين: أولاً، قررت موسكو سحب قواعدها العسكرية من جورجيا بعد أن ظلت تعارض ذلك لسنوات طويلة. وكانت الرغبة الروسية بالإبقاء على القواعد في جورجيا تقوم على المفهوم الذي تشكل خلال الحرب الباردة ولا يزال يجد صدى لدى القوميين المتعصبين من الروس ومفاده أن القواعد العسكرية تعني النفوذ.

وبحسب هذه الرؤية، فإن الانسحاب من القواعد سيؤدي إلى تقويض النفوذ الروسي في جورجيا. ولكن العكس هو الصحيح فالقواعد العسكرية كانت نتاجاً للنفوذ الروسي ومع تراجع النفوذ الروسي على ما كان يعتبر «تركة روسية ورثتها عن الاتحاد السوفييتي»، فإن تلك القواعد كانت بمثابة نقطة ضعف لموسكو، لأن قواتها هناك كانت كالرهائن لدى الجورجيين.

أما العنصر الثاني في السياسة الروسية فقد اعتمد على ربط موسكو بين مصير كوسوفو ومصير أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، وبالفعل استغلت الحكومة الروسية إعلان استقلال كوسوفو لتحذر الغرب من أن ذلك سيكون سابقة بالنسبة للإقليمين الانفصاليين في القوقاز. وبالطبع، فإن روسيا لا تعدم الوسائل للضغط على جارتها الجنوبية التي تعتمد اعتماداً كبيراً على الاستيراد منها، هذا إلى جانب اعتمادها على إمدادات الطاقة الروسية وتحويلات العاملين الجورجيين في موسكو الذين يزيد تعدادهم عن مليون شخص.

وإذا نجح التكتيك الذي تعتمده روسيا وخضعت جورجيا للنفوذ الروسي، فإن أذربيجان وأرمينيا المجاورتين ستتأثران بتلك النتيجة. فخبراء السياسة الخارجية في موسكو يعتقدون أن الحكومة الروسية غاضبة من أذربيجان لأنها لم تمنح ما يكفي من الامتيازات النفطية للشركات الروسية وعملت على تسهيل نقل صادراتها النفطية عبر تركيا بدلاً من روسيا، وإذا ما زاد النفوذ الروسي في المنطقة فإن موسكو ستحرص على محاسبة أذربيجان على ذلك.

وإن وجود حكومة موالية لروسيا في جورجيا تكون عضواً في منظمة معاهدة الأمن الجماعي التابعة لرابطة الدول المستقلة سيتيح لروسيا السيطرة على أذربيجان وأرمينيا، مما يحد من خيارات السياسة الأميركية هناك.

وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذا التطور سيضع حداً للطموحات الأميركية في آسيا الوسطى وسيعزل كازاخستان المهمة من الناحية الاستراتيجية عن أسواق الطاقة في الغرب.

وهكذا فإن الولايات المتحدة تبدو حذرة في التعامل مع النزاع الروسي- الجورجي، فهي عمدت إلى دعم جورجيا وحمايتها جزئياً من الضغط الروسي. وفي الوقت نفسه، عملت على استرضاء روسيا بإصرارها على أن الصراع الجورجي مع روسيا ودمج المنطقتين الانفصاليتين يجب أن يحلا عبر الوسائل الدبلوماسية. وإذا كانت جورجيا تنوي مواصلة الضغط على روسيا من أجل الوصول إلى حسم نهائي للقضايا العالقة بينهما في المستقبل القريب، فإن ذلك سيجبر الولايات المتحدة على إعلان مواقفها بصورة أكثر وضوحاً من طرفي الصراع.

إعداد: ضرار عمير