لم يكن يتصور أن تنتهي به الأمور إلى هذا الحد.. الذي يمكن أن يوصف معه بأنه رئيس رغم أنفه أو رئيس مع وقف التنفيذ.. أو الرئيس التوافقي المقبل.. إنه العماد ميشيل سليمان المرشح لرئاسة لبنان خلفا لإميل لحود.. إنه الرجل المحايد وسط حالة غير مسبوقة من الاستقطاب في بلده سببها قوى دولية وإقليمية راحت تتجاذب القوى السياسية والمجتمعية هناك حتى أصبحت البلاد على شفا الحالة التي يتمنى اللبنانيون أن تمحى من ذاكرتهم وتواصلت أكثر من ربع قرن أكلت الأخضر واليابس هي حالة الحرب الأهلية.
إنه الرجل الحازم وسط أجواء فوضى جعلت من المستعصي على الكثيرين تحديد كيف تدار الأمور في لبنان ومن هو صاحب الكلمة الفصل ومن له حق إصدار القرار وسط التلاسن والتنافر بين من أطلقوا على أنفسهم قوى الموالاة ومن أطلقوا على أنفسهم قوى المعارضة. من أجل كل ذلك أصبح سليمان الذي يقترب من عتبة الستين من العمر في دائرة الضوء و«موازن» الوضع المتوتر في بلاده والمعلقة عليه الآمال بانتشال لبنان من الهوة السحيقة التي هوى إليها سواء بفعل أبنائه أو آخرين.
لم يأت ذلك من فراغ وإنما من خلال محطات فاصلة ومواقف لها دلالتها جعلت منه الرجل موضع إجماع ـ الأخوة الأعداء ـ في لبنان وخارجه، فبمواقفه التي تبناها على مدى رئاسته للجيش.. كسر سليمان، دون أن يدري أو لعله كان يقصد ذلك، القاعدة التي تقول إن تولي رجل من الجيش ـ قائده في أغلب الأحوال ـ السلطة أمر مكروه في بعض الدول، النامية على الخصوص، فيما ينظر إليه على أنه أمر حرام في الدول المتقدمة.
ويعزز سجل الرجل وحاضره، الإجماع على اعتلائه سدة الرئاسة. وآخر صفحات ذلك السجل موقف الجيش المشرف خلال تطورات الأسبوع الأخير، والذي انزلقت قدم لبنان خلاله إلى مشارف حرب أهلية جديدة، حيث التزم الجيش بزعامة سليمان ما يمكن توصيفه بـ «الحياد الإيجابي»، فكان أشبه بقوة إطفائية للنار المشتعلة، فجاء تعاطيه مع الأزمة السياسية الناجمة عن القرارين المختلف عليهما سببا في عملية تبريد للأوضاع الساخنة على نحو يمثل نموذجاً يستحق الإشادة.
في ظل تطورات الأزمة الجارية فصولها حالياً تركزت الأنظار عليه، غير أنه بين الفريقين، نجح الجيش في التزام موقف الوسط حائلا دون أي تشابك أو انزلاق أو تصادم.. لحظتها بدا «سليمان وجنوده» وكأنهم يسيرون على حبل تطلب الأمر معه التزام أقصى درجات الحيطة والحذر. ومرت الأزمة بسلام وخرج عود حياد سليمان أكثر صلابة من قبل وتيقن اللبنانيون، مواطنون وسياسيون، أنه حياد أشبه بحياد سويسرا أو يفوقها ما كان أدعى إلى الانتباه إلى أن في لبنان مخلصا جديدا من الأزمة، يمكن أن يقود البلاد إلى الخلاص السياسي من أطماع الفاعلين الدوليين والمحليين.
إن كل المؤشرات تشير إلى صعوبة مهمة الرجل وقد تكشف الفترة المقبلة بشكل أكبر عن معدنه الحقيقي وما إذا كان من ذهب أم من شيء آخر.. وقد تفرض استحقاقات الواقع دخوله في دائرة الاستقطاب التي نجح بمهارة في النأي عنها.
وإذا كان سليمان وطبيعة مواقفه قد خلطا الأوراق بشأن دور الجيش فجعله محمودا حيث يجب أن يكون مذموما ومثار اليقين حيث يجب أن تسود الشكوك، فإن مهمتين أساسيتين تنتظرانه أولهما تعزيز حالة التوافق وصولا إلى الوحدة، وتحويل دفة دور الجيش في البلاد من نمر من ورق في نظر البعض إلى أسد يمكن أن يفترس أي طامع خارجي في تطويع إرادة البلاد أو استباحتها.. وتلك هي المهمة الأصعب.
مصطفى عبدالرازق
