يعرف السماء ونجومها، فهي مرشدته إلى بر الأمان ويقول هناك الياه والقطب والمطلع والمغيب وسهيل ومازال يتذكر نفسه صغيرا من خلال ألعاب الكرابي والهول وخبرته في معرفة أنواع السمك ليلا سواء كان (خباط، كنعد، قباب أو عومة).

تعتبر رحلات الغوص من أهم ملامح ومكونات الموروث الشعبي، ومشكل رئيسي للبنيان الاجتماعي، ومنظم لعلاقات الأفراد سواء داخل سفينة الغوص أو خارجها، ومع ذلك توقفت بسبب اكتشاف اللؤلؤ الصناعي الذي لا يختلف كثيراً في جودته، وتوجه الاهتمام إلى استثمار الثروة النفطية، والابتعاد عن مخاطر البحر وأهواله. حماسه كموج المحيط الذي تربى بين أمواجه وعاصر أهواله، بادرنا بحماس الشباب بمجرد ان تكلمنا عن البحر والغوص، ليبدأ بحدوة غنوها على ظهر المحمل وما زالت تردد إلى وقتنا الحالي:

في سباق المحامل

قاطع خور الجزيرة

قصي رجلي الخالوف

كيف الفكر والحيلة

في الدرب وين أطوف

يا بو الحكم في الديرة

سوف نسترجع مراسم خروج سفن الغوص، النوخذة والغواص والسيب، وكيفية استخراج اللؤلؤ والعودة. كان الموسم يبدأ عادة عندما تميل مياه الخليج إلى الدفء، ويستمر أربعة شهور تقريباً حتى دخول الشتاء، من نهاية مايو وحتى أواخر سبتمبر، كانت الرحلات تبدأ غالبا من الطويلة وتعود بعض السفن مرة أخرى أو مرتين، للتزود ببعض الحاجيات التي يحتاج إليها الغواصون.

الاستعداد للرحلة كان يبدأ قبل شهر بإعلان النوخذة، وهو قبطان السفينة، عن قيام الرحلة، فيتقدم الراغبون ويوقع معهم (بروه)، ويعطيهم بعض المال لشراء احتياجاتهم واحتياجات عائلاتهم بما يكفيهم حتى العودة. وعندما تحين ساعة الرحيل تكون إشارة البدء علم أسود يرفع على المركب يسمى النوف، وتخرج «الديرة» صغيرها وكبيرها لوداعهم والدعاء لهم بسلامة العودة، وينزل النواخذة إلى الشاطئ، ويوزع المال على المودعين، تعبيراً عن التفاؤل والاستبشار.

ويحدثنا الفلاسي عن مهمة الغواص وأجره وكيفية عمله: الغواص عمله أصعب الأعمال وأخطرها، وهو من يستخرج المحار من قاع البحر وأهم شخصية بعد النوخذة، ولهذا يقيم في التفر، وهو المكان المفضل الذي يقيم فيه النوخذة، ويشترط فيه أن يكون قوي البنية خبيراً بالقوع وما به من أخطار وكيفية تفاديها.

وأجر الغيص الأعلى فهو يحصل على ثلاثة أسهم من الحاصلة مثل النوخذة، سهمين من الحاصلة وسهم واحد من (الخمس)، وبعض الغاصة يعمل (عزال) أي يذهب مع الغاصة على سفينتهم لكنه يغوص لحسابه الخاص ولا يشارك في أرباح السفينة.

وعند الغوص يضع الغواص على أنفه (فطاما) يشبه (الملقط) ليمنع دخول الماء. ويربط في إحدى رجليه الحصاة، وهي حجر أو رصاص لتسرع به في النزول إلى القاع، وبعد وصوله ينزعها من رجله فيسحبها السيب بالحبل (الزيبن) ويصحب الغواص معه (الديين) وهو السلة المصنوعة من حبال (الكمبار) أو القطن ليجمع فيها المحار، وبها حلقة يضعها الغواص في عنقه ويكون مربوطاً من وسطه بحبل يسمى (الجداء) أو اليدا يسحبه منه السيب عندما تصله إشارته بهز اليدا. وعند خروجه من الماء يرفع الفطام حتى يستطيع التنفس.

ويمشي الغواص على يديه في القاع تاركاً رجليه مرفوعتين لأعلى، ولا تزيد فترة بقائه عن دقيقة أو دقيقتين، ويطلق على كل مرة ينزل فيها إلى القاع (تبه) وتظل عملية الغوص إلى غروب الشمس. وحدث كثيراً أن انقطع نفس الغواص وهو في قاع البحر أو في منتصف الطريق فيخرج وهو في غيبوبة، وكثيرا تكون (الهيرات) عميقة والمخاطرة والمهمة شاقة، خاصة ولم تكن هناك أجهزة تنفس، أو وسائل نجاة سوى حبل ربما يغفل عنه السيب، ورغم ذلك كانوا يعشقون هذه المخاطر.

الزواج والأفراح

ويتذكر الفلاسي عادات زمان عن الأعراس ويقول: مهر زوجتي كان مرتفعاً.. 1000 روبية، بينما من بعمري كانوا يتزوجون ب200 روبية. ويضيف: لكل عصر ناسه فشباب اليوم لا يستطيعون التأقلم مع عيشة الماضي ونحمد الله أنهم مازالوا يحافظون على العادات والتقاليد رغم البحبوحة الاقتصادية.

المرض والعلاج

يقول العم بخيت لم نكن نعرف الدكتور وكنا نتداوى بالأعشاب أو الوسم، أي الكي، فإذا ما مرض أحدنا أو صابه ألم ما، سواء برأسه أو رجله أو اي جزء كان يتم وسمه على موضع الألم، انا مثلا تم وسمي في رأسي وفي رجلي وما كان يزيد الألم أثناء رحلات الصيد هو قلة الاستحمام لأن النوخذة والغواص هما أصحاب الكلمة اما باقي العاملين على المحمل فكما، الماء كان يتم توزيعه بالقطارة، على سبيل المثال يعطونا الماء بقمعة، أي غطاء صغير، عدا ذلك الأملاح والحرارة تعمل على تنشيف الجلد وتشققه.. والحمد لله هذه الأيام ولت.. الحين المستشفيات والدكاترة والسفر للعلاج كلها ما كانت تحصل لولا جهود المغفور له الشيخ زايد.

البحر والموت

أما عن فقد الأحباب والأصدقاء أو العاملين على ظهر المحمل فإذا كانوا قريبين من جزيرة، دفن الميت فيها، حيث ينزلون الجزيرة ويغسلونه ويكفنونه ويصلون عليه وتوضع علامة شاهدة على القبر لربما عادوا فيزورون ضريحه، وإذا كانوا في عرض البحر، يلفونه بغطاء أبيض ويلفون حول جسده حبلا معلقا بحجر ويلقونه في اليم حاملاً معه أحلام العودة ومصير أسرة مكلومة تنتظر عودته. ويقول طوال الرحلة التي ننطلق فيها مجتمعين لا نعرف مصيرنا وما سنؤول اليه، فالبحر لا تعرف نواياه وما ان نبتعد ويبدأ الموسم يصبح الموت متربصا بنا من كل جانب.

العيش في كنف الاتحاد

يقول أنا لا اذكر التواريخ ولكنني اذكر المراحل، فالمغفور له الشيخ زايد والمغفور له الشيخ راشد هما من أسسا الدولة وساعدا على تحسين ظروف أهلها ونقلهم من حياة البؤس والشقاء إلى حالة النعيم. والحمد لله ان شيوخنا لا يبخلون عنا بشيء والدنيا خير. والسعادة التي نحن بها اليوم ما كانت لتتحقق لولا الانفتاح الذي تشهده الدولة، ما انعكس إيجابا على ابن الإمارات والمقيمين ايضا فالخير يشمل الكل، فحياة البؤس التي عشناها قديما لو استمرت إلى وقتنا الحالي لا سمح الله لما كانت هناك الدولة ولا كنا وصلنا لهذا العدد الذي نحن فيه نتيجة الأمراض ومخاطر السفر والبحر، كل ذلك ذهب والحمد لله بمجيء الاتحاد.

العودة ابتسامات ودموع

وتمر الأيام والشهور وتعود المركب، وقد حققت شيئاً من الكسب وشيئاً من الخسارة، وقد تفقد بعض الرجال، ولكن يوم عودتها يكون يوم عيد. فما ان تقترب المركب من الشاطئ حتى تطلق المدافع، فيعرف أهل البلد أن رحلة الغوص قد عادت سالمة، فترفع الأعلام، ويخرج الجميع لاستقبالها، فرحين مهنئين، ولكن بقلب كل واحد منهم خيوط لمستقبل لم يتبين خيطه الأبيض من الأسود، فالدقائق التي تفصلهم عن المحمل فيها الكثير من القلق، وعند الوصول بعضهم يضحك فرحا للقاء حبيب والآخر يذرف دمعا لفقده إنسانا آثر ان يبقى في البحر لتعاظم خفايا الزمان عليه فاختاره الموت صاغرا ليترك خلفه أما أو زوجة أو ولدا ينتظر عودة لن تأتي أبداً.

سيرة ذاتية

بخيت الفلاسي الصياد والغيص وابن البحر.. لم يتذكر التواريخ رغم أنه قال إن عمره يقارب الثمانين حولاً، عاش حياة قاسية ووسم برأسه للعلاج من ألم أصابه، شرب قطرات من ماء لندرته وتوفيره لطول الرحلة، أب وجد يجاور البحر الآن ويشترك في سباق المحامل الشراعية، نوخذة يحدو ويغني وهمته همة ابن العشرين عاماً، عانى من فقد الأحبّة والأصحاب، وكلهم تركهم في البحر، وعندما يناجي البحر يكلم صديقاً مات وأياماً لن ترجع أبداً.

عبد المنعم الشديدي