بعد موجات من تصاعد الصراع الداخلي استمرت لأكثر من عام، اشتعل لبنان وصار السلاح هو لغة التفاهم وأداة الحسم. كل من المعارضة والموالاة نزل إلى الشارع، محاولا أن يسبق الزمن بسلاحه لتحقيق مكاسب على الأرض، ولفرض واقع جديد على الآخر. والضحية دائما هو لبنان، ومعه ازدادت العورات العربية انكشافا وعريا.

بدأت الأزمة بقرارين اتخذتهما الحكومة، تمثل الأول في إقالة مدير أمن مطار بيروت، وقضى الثاني بتحويل ملف شبكة اتصالات المقاومة إلى القضاء، باعتبارها غير شرعية وخارجة عن إطار الدولة. المقاومة ومعها قوى المعارضة اعتبرت القرارين عدوانا مباشرا على وجودها وسلاحها، ورأت فيهما محاولة من الموالاة المهيمنة على الحكومة فرض واقع يجرم وجودها، عبر وضعها في صراع مع القضاء والجيش.

فهذه الخطوة الحكومية ـ حسب رؤية المقاومة ـ تمت استجابة لأهداف قوى دولية وإقليمية معادية لها، فردت عليها بشعار «السلاح يدافع عن السلاح». وعلى الفور بدأت الصدامات واشتعل الاقتتال في بيروت وغيرها من المدن.

ما جرى كان نتاجا لأزمة طالت، اجتمعت فيها التجاذبات الخارجية مع التناقضات الداخلية. فلبنان يعيش منذ سنوات أجواء خلاف واستقطاب داخلية حادة أججها لاعبون دوليون وإقليميون. وهؤلاء اللاعبون هم: الولايات المتحدة وإسرائيل من ناحية، وإيران وسوريا من ناحية أخرى، بينما انضوت معظم الدول العربية الأخرى تحت لواء هذا الفريق أو ذاك.

هذه التجاذبات مجتمعة وضعت الساحة اللبنانية مؤخرا أمام صراعات عنيفة أسهمت في فشل كل جهود التهدئة أو الاحتواء. فالمشروعات والإرادات الإقليمية والدولية متعارضة تماما. وفي مفارقة تعكس حدة الصراع الدولي والإقليمي على لبنان وعلى عموم المنطقة العربية. طال التناقض في الأولويات والمصالح الآنية الأميركية الإسرائيلية، فالولايات المتحدة ركزت أولوياتها على التصعيد في العراق للتخلص من جيش المهدي ومراكز المقاومة العراقية.

كما ركزت أيضا على أولوية تحريك الملف اللبناني وفق رؤيتها الشرق أوسطية، ومن أجل ذلك كثفت ضغوطها على إيران وسوريا مباشرة أو عبر أطراف عربية موالية لها. أما إسرائيل فأعطت الأولوية للتحرك باتجاه تكثيف الضغوط على حركة حماس وحصارها في مقابل الانفتاح الصوري على الرئيس محمود عباس. كما انفتحت أيضا على سوريا ـ عبر تركيا ـ في خطوة مفاجئة (حتى للأميركيين أنفسهم).

ولمحاولة فرض أولوياتها على المنطقة لوحت إسرائيل لدمشق بالاستعداد للدخول في مفاوضات حول الجولان، بهدف إبعاد سوريا عن إيران، وبهدف التهرب أيضا من أية استحقاقات قطعتها بشأن الملف الفلسطيني في مؤتمر أنابوليس وغيره، كي تفوت على الولايات المتحدة محاولة الضغط عليها ـ ولو شكليا ـ في هذا الملف، إرضاءً لأطراف عربية صديقة لواشنطن تلح في هذا الاتجاه، والذي من أجله تمارس هذه الأطراف ضغوطا على دمشق في الملف اللبناني وفق متطلبات السياسة الأميركية.

وهذا التعارض في الأولويات الآنية يفسر سبب تدخل أميركا لإفساد التحركات الإسرائيلية باتجاه سوريا، بالكشف عن تفاصيل عملية قصف إسرائيل للمفاعل النووي السوري المزعوم، وعبر تجديد واشنطن للعقوبات المفروضة على سوريا. وبالتزامن لم تكن واشنطن بعيدة عن استثمار الخلافات الداخلية الإسرائيلية في كشف فضيحة رشى رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت، وكأن هناك محاولة لعقابه على التحرك باتجاه دمشق بعيدا عن الأولويات الأميركية الحالية.

وبموازاة هذه الأولويات الأميركية ـ الإسرائيلية لم تكن إيران بعيدة عمّا يجري، حيث أرسلت إشارات هادئة برفضها ادعاءات البحرية الأميركية بحدوث احتكاكات بينهما في مياه الخليج، كما بعثت برسائل ساخنة في احتفالية عيد الجيش تؤكد جاهزيتها لمواجهة أي عدوان، ومجددة الإصرار على المضي في تطوير مشروعها النووي بالتوسع في عدد أجهزة الطرد المركزي، ومنددة بضرب المدن العراقية في نطاق الحملة العسكرية الأميركية ضد جيش المهدي، وذلك من دون التخلي عن ثوابت علاقاتها الاستراتيجية مع سوريا وحركات المقاومة في لبنان وفلسطين، فلم تبد طهران مثلا أي رد فعل غير متزن على الاتصالات السرية الإسرائيلية السورية.

ووسط هذه الأجواء والتجاذبات الإقليمية والدولية حدث الانفجار الدامي في لبنان. والملاحظ أن السيناريو جرى إعداده على نحو مشابه لتطورات الصراع بين حركتي فتح وحماس، إذ قامت قوى الموالاة، المعروفة بقربها من السياسة الأميركية ومن واقع هيمنتها على الحكومة، باستفزاز المعارضة بالقرارين الحكوميين، فردت المعارضة باللجوء إلى السلاح لحماية المقاومة. وما فعلته المعارضة ـ حسبما أعلن قادتها ـ كان استباقاً لما يخطط ضد المقاومة، في إطار مشروع تقوده واشنطن وتل أبيب منذ سنوات.

وليس خافيا أن الولايات المتحدة وإسرائيل وقوى أخرى دولية وعربية ـ سعت منذ أمد بعيد ـ ولا تزال تسعى ـ من دون كلل ـ إلى نزع سلاح المقاومة اللبنانية. وازدادت هذه المساعي حدة منذ انتصار حزب الله على إسرائيل في حرب يوليو 2006، فلما فشلت هذه المساعي عملت هذه القوى على تأزيم وضع المقاومة مع المجتمع والدولة في لبنان عبر إجراءات عديدة، كان القراران الحكوميان الأخيران تتويجا لها، في ظل غياب التوازن بين مؤسسات الدولة.

وقد برهنت هذه الأزمة الأخيرة أن غياب مؤسسات الدولة اللبنانية ساعد على تدهور الأمور وصولا إلى الصدام العسكري، والى الوقوف على هاوية الحرب الأهلية، فلبنان بلا رئيس منذ استقالة العماد إميل لحود، والحكومة عاجزة عن أداء مهامها في ظل فقدانها الشرعية (من جانب المعارضة)، أما مجلس النواب فغائب أيضاً عن أداء دوره التشريعي بفعل الفشل المتكرر في التوافق على اختيار رئيس للدولة، كما أن مؤسسة الأمن الداخلي تعرضت للاختراق والإضعاف منذ القبض على رؤساء أجهزتها وإيداعهم السجن في أعقاب اغتيال رفيق الحريري. ولم يعد في الدولة متماسكاً إلا مؤسسة الجيش التي لا تزال كل الأطراف تعول عليها الآمال للخروج من الأزمة.

وحتى الآن لم تنجح الجهود العربية والدولية في الخروج بلبنان من أزمته، فالمواقف العربية مستقطبة إقليمياً ودولياً، والمواقف الدولية موظفة بالطبع لحساب مصالح أصحابها. وهو ما يعني أن الوضع اللبناني دخل حالة قطيعة أشبه بما هو قائم بين فتح وحماس مع بعض الاختلاف النسبي. ويمكن القول إن المشهد اللبناني الجديد بما ينبئ به من توترات محتملة أفرز نتائج متعددة، لن تؤثر فقط على مستقبل لبنان وحده إنما ستترك آثارها عربياً ودوليا ، وتتمثل هذه النتائج في:

1 ـ وضع لبنان على هاوية الحرب الأهلية بفعل تخبط الحكومة، واستكمال مسلسل سقوط مؤسسات الدولة بسقوط الحكومة سياسيا، ومن ثم فإن التحدي الذي يجابه الجميع هو الحفاظ على تماسك مؤسسة الجيش بصفتها المؤسسة الشرعية الباقية.

2 ـ تعميق الخلافات العربية ـ العربية، بما يدفع إلى حرب باردة عربية ـ عربية لن يكون لبنان وفلسطين ساحتيها الوحيدتين، فالمحور المسمى بمحور الاعتدال العربي لن يقبل بتراجع دوره الوظيفي في مواجهة محور المقاومة، أمام الولايات المتحدة الأميركية، فذلك جزء من شرعية وجود بعض أنظمته، ومن المتوقع أن يضع المعتدلون أنفسهم وقدراتهم أكثر وأكثر في خدمة السياسة الأميركية بالمنطقة، في ظل استمرار الابتزاز الأميركي لهم.

3 ـ حدوث تدهور محتمل في العلاقات العربية الإيرانية، ومن المتوقع أن يوظف البعض نبرة التصارع المذهبي لتبرير السياسات ولتمرير الأهداف. والى جانب ذلك سوف تزيد كثير من النظم العربية من ضغوطاتها على الحركات الإسلامية خشية واتقاء.

4 ـ انكشاف إسرائيل أمام حركات المقاومة العربية، خاصة على الجبهة اللبنانية، وتقوية موقف حزب الله على الأرض، وتعزيز تكامل وتلازم المسارين السوري واللبناني، إذا ما جرت مفاوضات سورية إسرائيلية محتملة.

5 ـ تقوية موقف سوريا وإيران أمام إسرائيل والولايات المتحدة، خاصة إذا ما نجحت المقاومة اللبنانية في تغييب أنصار أميركا وإسرائيل سياسياً عن السراي الحكومي مستقبلا بعد إزاحتهم عسكريا من الشارع.

6ـ تعزيز نهج حركة حماس في عموم الشارع الفلسطيني وأمام سلطة الرئيس محمود عباس، إذا ما استطاعت المقاومة اللبنانية استثمار انتصارها العسكري سياسياً في الداخل والخارج، فذلك يضعف جدوى التحركات السلمية العقيمة للسلطة الفلسطينية. وسوف يؤدي نجاح المقاومين في فلسطين ولبنان إلى منح حركات المقاومة العراقية دفعة معنوية هائلة، لأن ما جرى على الأرض في لبنان يمثل هزيمة جديدة للسياسة الأميركية في المنطقة.

7 ـ سقوط المشروع الأميركي للشرق الأوسط للمرة الثانية في لبنان، بهزيمة المعسكر اللبناني الموالي لواشنطن. وتصعيب موقف أميركا في مواجهة محور المقاومة عربياً (سوريا وحزب الله وحماس) وإقليمياً (إيران)، ومن المتوقع استمرار المواجهات سياسيا وعسكريا في مواقع أخرى كما في العراق وأفغانستان واليمن، وربما يتم جرجرة بعض دول الخليج إلى هذا الصراع المباشر مستقبلا.

8ـ ازدياد وتائر عمليات تدويل الأزمة اللبنانية، وليس من المستبعد اتخاذ قرارات جماعية أو منفردة ـ داخل أو خارج مؤسسات الأمم المتحدة ـ تتيح لقوى دولية التدخل العسكري. وإذا ما جرى ذلك فإنه قد يقود لبنان والمنطقة إلى حرب جديدة.

وأخيراً لعل ما يشهد له لبنانياً أن أطراف الصراع أظهرت حرصا على تجنيب لبنان حربا أهلية شاملة، وهو ما يعني أن هناك رغبة داخلية في تجاوز هذه الأزمة، والحرص على بقاء الجيش كمؤسسة وطنية متماسكة يمكنها لعب دور مستقبلي في حل الأزمة والخروج بلبنان الوطن سليماً معافى وقادراً على تجاوز آلامه.

التاريخ قد يعيد نفسه

بعد ثمانية عشر عاما من وضع الحرب الأهلية اللبنانية أوزارها لا يبدو لبنان اقل انقساما مما كان عليه لدى اندلاع الحرب الأهلية في 13 ابريل من عام 1975 وإن اختلفت أوجه وأسباب الانقسام.

فقبل 33 عاماً اندلعت الشرارة الأولى للحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت 15 عاماً، قتل فيها 150 ألف شخص وأصيب مئات الآلاف بينما لا يزال مصير الآلاف مجهولا حتى الآن.

المعارضة والموالاة

يتشكل الجسم الرئيسي لقوى المعارضة اللبنانية من مختلف الطوائف والتيارات السياسية، لكن القوى الرئيسة الفاعلة تتمثل في حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر. أما الموالاة فيقودها تياران رئيسيان هما: تيار المستقبل، الحزب التقدمي الاشتراكي، إلى جانب حزبي القوات اللبنانية والكتائب.

أحمد الكناني