عمل المركز العربي للدراسات الجينية منذ نشأته على بناء توازن كبير بين أهدافه العلمية وإطار المجتمع العربي والإسلامي الذي ينتمي إليه، ويأتي المؤتمر العربي الثاني لعلوم الوراثة البشرية الّذي ينظمه المركز برعاية سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم بمشاركة دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي والذي انعقد بدبي بين 20 و22 من نوفمبر 2007 ليتوج هذا التوجه متيحاً الفرصة لعلماء الشريعة والقانون وعلماء الوراثة للتحاور معاً حول إمكانية تقدم علوم الوراثة في المنطقة وتسخيرها لما فيه مصلحة الأبدان والأوطان دون إغفال ضوابطها الشرعية والقانونية.
واختتمت الندوة الخاصة بمناقشة الضوابط الشرعية والقانونية لبحوث الجينوم والفحوص الوراثية أعمالها يوم الخميس 22 نوفمبر 2007 بعد أن عقدت جلستين علميتين يوم الثلاثاء 20 نوفمبر 2007 عُرض خلالهما سبع أوراق بحثية في مجال الضوابط الشرعية والقانونية لعلوم الوراثة البشرية وفُتح باب التساؤلات والمناقشات والمداخلات للحضور، وقد أسفرت الأوراق البحثية والمداخلات والمناقشات عن عدد من التوصيات يمكن إجمالها فيما يأتي:
أولاً: بحوث الجينوم
بما أن العالم العربي مقبل على المشاركة في بحوث الجينوم فهناك حاجة ماسة لتكوين لجان وطنية مهمتها وضع أخلاقيات للبحث العلمي في كلّ دولة من الدول العربيّة، والتنسيق بينها وبين اللجان الموجودة في الدول الأخرى.
ولفت المجتمعون النظر إلى أنّ بحوث الجينوم من الأمور العلمية المستجدة وقد تخلو العديد من قوانين الدول العربية من موادّ تنصّ على الأخلاقيات والضوابط الّتي يجب توافرها في بحوث الجينوم، فإنّ من المأمول من الباحثين اقتراح الضوابط، وعلى المشرّع تفعيل هذه الاقتراحات بسنّ قوانين ولوائح تنظم هذه البحوث.
وحيث تتميز مشاريع الجينوم بكونها أعمالاً بحثية تعتمد على المشاركات الدولية لضمان تبادل الخبرات والمعلومات والعينات الوراثية، فإن الحاجة ماسة لفتح باب التشريع في هذا المجال المتقدم لتسهيل مشاركة العلماء العرب في هذه البحوث بحُريّة وإيجابية.
ويوصي المجتمعون أيضاً العلماء المتخصصين بوضع الضوابط الشرعية لبحوث الجينوم وما يجب مراعاتها من موازنة المصالح والمفاسد وتشجيع البحث العلمي على ألا يكون ذلك على حساب ثوابت الدين وخصوصية المجتمع أو الفرد.ولأهمية نشر التوعية والثقافة في هذا المجال، أوصى المجتمعون بضرورة وضع خطط تعليمية موجهة إلى الأفراد والجماعات.
ثانياً: الفحوص الوراثية
اتفق المجتمعون على أهمية إجراء الفحوص الوراثية كجزء مكمّل للنظام الصحي في الدول العربية، وقد ثبت من تجارب العديد من الدول أهمية الفحوص الوراثية قبل إتمام إجراءات الزواج، وإذ يتقدم المجتمعون بالشكر إلى الدول التي ضمّنت قوانينها ضرورة إجراء الفحص الوراثي، فإنهم يوصون السلطات التشريعية في بقية الدول أن تحذو حذوها.
ولأجل تحقيق هذا الغرض فقد أوصى المجتمعون بالعمل على دراسة الضوابط الشرعية والقانونية للفحص الوراثي قبل الزواج كخطوة أساسية للمطالبة بتطبيق هذه الفحوص في الدول العربية. كما يوصون بتكوين لجنة مشتركة من العلماء الشرعيين والأطباء والمتخصصين في علم الوراثة لوضع لائحة بالأمراض الجنسيّة والوراثية الّتي يجب أن تشملها الفحوص الطبية المقرّرة قبل إجراء عقد الزواج.
ونظراً إلى انتشار الأمراض الوراثية بشكل ملفت في عالمنا العربي، فإن المجتمعين يوصون بتشجيع وإدخال الاستشارات الوراثية والفحص الجنيني ضمن النظام الصحي للدول العربية واضعين في الاعتبار الضوابط الشرعية والقانونية وسرية المعلومات.
والمجتمعون إذ يُقرُّون بتقدّم الطبّ في العصر الحديث ممّا أدّى إلى اكتشاف حالاتٍ جديدة من التشوّهات والأمراض الوراثية في الأجنة غير الّتي بحثتها المجامع الفقهيّة، والعديد من تلك الحالات تتسبب في ولادة أطفال يعانون من أمراضٍ مزمنة ومن ثم تُعاني منها أسرهم والمجتمع.
فإنهم يُطالبون العلماء المتخصّصين في العلوم الشرعيّة بفتح باب الاجتهاد لتعريف الحالات المستجدّة والّتي يمكن أن يُباح الإجهاض بسببها، كما يَدْعون الأطباء المتخصصين إلى عرض مثل هذه الحالات والبحوث المتعلّقة بها على المجامع الفقهية لتُصدر قراراتها بعد تأليف بحوث ونقاشات مستفيضة. ولأهمية نشر الوعي في الحدّ من انتشار الأمراض الوراثية، أوصى المجتمعون بنشر الثقافة الوراثية بين الأفراد والجماعات في العالم العربي.
وثمّن المجلس العربي للمركز مكرمة سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي، وزير المالية والصناعة، بمنح جائزة خاصة بعلوم الوراثة تمنح من خلال المؤتمر العربي لعلوم الوراثة البشرية، مقدّرين اهتمامه بتعزيز البحوث الوراثية في العالم العربي من أجل النهوض بالرعاية الصحية في المنطقة، وستشكّل لجنة علمية خاصة لإعداد مواصفات الجائزة ووضع شروط التقدم لها بالتوازي مع ما هو متبع في نظام جائزة الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم للعلوم الطبية.
كما أوصى المؤتمرون برفع برقية شكر وامتنان إلى مقام صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، وإلى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي حفظه الله، على كرم الضيافة وتنظيم المؤتمر في أرض دولة الإمارات العربية المتحدة.
وأوصوا برفع برقية شكر وعرفان خاصة إلى سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم حفظه الله، نائب حاكم دبي، وزير المالية والصناعة، راعي المؤتمر، على دعمه السخي للعلوم الطبية بصفة عامة ولعلوم الوراثة بصفة خاصة، وعلى حرصه ومتابعته الدائمة لكل ما من شأنه خدمة هذا المجال.
كما يتقدّم المشاركون في المؤتمر بالشكر إلى الدكتور حمد بن الشيخ أحمد الشيباني مدير عام دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي على التعاون الفعّال الذي قامت به الدائرة لدعم كافة فعاليات المؤتمر.
والشكر موصول لجائزة الشيخ حمدان بن راشد للعلوم الطبية ممثلاً في مجلس أمنائها، ورئيس المجلس معالي حميد القطامي وزير الصحّة، والأمانة العامّة للجائزة وأمينها البروفسور نجيب الخاجة، والعاملين معه، وبالأخص المركز العربي للدراسات الجينية على حسن الإعداد والتنظيم وحسن الاستقبال. والشكر كلّ الشكر لكافة العلماء الأجلاء الذين أسهموا في رفد المؤتمر ببحوثهم القيمة في المجال العلمي والقانوني والشرعي متمنين لهم دوام التقدم والنجاح.
