يعاني الأشخاص ذوو الإعاقة الذهنية من صعوبات واضطرابات مصاحبة كثيرة، لعل أهمها الصعوبات اللغوية والكلامية والتي نجدها عند جميع الأشخاص المصابين بالإعاقة العقلية إضافة إلى الصعوبات الحركية والتي نجدها عند نسبة غير قليلة من المصابين. ويعد مرض السكري بنوعيه أحد أهم الأمراض التي يعاني منها فئات محددة من المعاقين ذهنيا والذي يؤثر كثيراً على حياة هذه الفئة من الأفراد.
للأسف نقول إن الدراسات حول نسبة انتشار السكري عند الأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية قليلة جدا، ولعل من أهم أسباب ذلك هو أن المدى العمري لفئة المعاقين ذهنيا بشكل عام والمصابين بمتلازمات وراثية محددة بشكل خاص كان أقل بكثير عما هو الوضع الحالي.
حيث ازدادت أعمار الأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية نتيجة تطور الخدمات الصحية المقدمة لهذه الفئة من الأفراد وبذلك أصبحت مشكلة السكري عند المعاقين ذهنيا تظهر بشكل أوضح عما هو الحال في السابق. ومن الأسباب الأخرى وراء قلة الدراسات في هذا المجال والتي يسوقها بعض الباحثين هو عدم تناول الموضوع بجدية من قبل الباحثين وصعوبة التواصل مع المعاقين ذهنيا بسبب الاضطرابات اللغوية التي يعانون منها قد تكون أحد الأسباب كذلك.
المعاق ذهنياً
يواجه الأشخاص ذوو الإعاقة الذهنية المصابون بالسكري نفس المخاطر والآثار السلبية التي تسببها الإصابة بالسكري. إلا أن إصابة الأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية بمرض السكري قد تكون أصعب ويعود ذلك إلى أسباب كثيرة مثل صعوبة التحكم والسيطرة على المرض مقارنة بالأشخاص غير المعاقين وقد يكون السبب في ذلك صعوبة إتباع الحمية الغذائية التي تفرض على المصابين بالسكري وإتباع تعليمات الطبيب المشرف على العلاج بدقة، فمن الصعب جدا منع طفل معاق ذهنيا مصاب بالسكري من تناول الحلويات أو الأيس كريم وغير ذلك من المأكولات.
»أشعر بضيق لأني لا استطيع تناول الأيس كريم مع أنني أرى الجميع يأكلون.. الهدية التي أريدها قطعة كيك« وغير ذلك من العبارات التي كثيرا ما نسمعها من الأطفال المصابين بالسكري ومنهم المعاقون ذهنيا.
والعلاج بحد ذاته قد يكون صعبا للمعاقين ذهنيا والحديث هنا عند الحاجة لحقن الأنسولين اليومية. والأمر الآخر المهم ذكره هنا هو أن المواد الغذائية المخصصة للمصابين بالسكري والذين يتبعون الحميات الغذائية تعد أغلى ثمنا بكثير من المواد الغذائية العادية. وتجد أسر كثيرة صعوبة في حساب كميات السكر والنشويات في المواد الغذائية العادية التي يتناولها الأطفال.
المتلازمات الوراثية
قد لا يعرف البعض بأن هناك مجموعة من المتلازمات الوراثية التي ترتبط بالإعاقة الذهنية والإصابة بالسكري في الوقت نفسه، وتشير دراسة Alexander Nesbitt (2005 ) إلى المعطيات التالية :
متلازمة داون
من المعروف أن متلازمة داون واحدة من أكثر المتلازمات الوراثية انتشارا حيث إن طفلا واحدا من كل 700 طفل مصاب بهذه المتلازمة، وفيما يتعلق بمرض السكري عند المصابين بهذه المتلازمة يشير الباحث Van Goor (1997) إلى أن نسبة الإصابة بالسكري عند هذه الفئة من الأفراد أعلى بثلاث مرات عن النسبة عند الأطفال الآخرين.
أما الباحث Anwar ( 1998) فقد أورد أن معدل الإصابة بالسكري عند المصابين بمتلازمة داون تتراوح بين 1.4 % - 10% من مجموع الحالات المصابة بمتلازمة داون. وهناك دراسة أخرى أشارت إلى أن عدد المصابين بمتلازمة داون في ايرلندا يتراوح بين 6000 إلى 7000 شخص منهم 700 شخص مصاب بالسكري ( جمعية متلازمة داون في ايرلندا 2006 ).
متلازمة براد ويلي
وهي من المتلازمات الوراثية التي يصاحبها إعاقة عقلية وقصر القامة وليونة في العضلات مع ازدياد شديد في الوزن عند البلوغ والإصابة بالسكري.
متلازمة كلاينفلتر
وهي متلازمة تعرف بمسمى »متلازمة الكروموزوم X الإضافي وتصيب الذكور وتبلغ نسبة الإصابة بها 1 من كل 1000 شخص وتتميز بطول الساقين والذراعين والتأخر في النمو وتشوه الأعضاء التناسلية.
متلازمة بيكويث وويديمان
ومن أهم سمات هذه المتلازمة حدوث انخفاض شديد في نسبة السكر في الدم والذي يسبب إغماء وإعاقة عقلية فيما بعد إذا لم يعالج بشكل صحيح، وتحدث هذه المتلازمة بسبب وجود تضاعف في منطقة صغيرة من الكروموزوم الحادي عشر.
متلازمة بوتر
وهي من المتلازمات الوراثية التي تتميز بإصابة الكلى ( أو عدم تطور الكلى عند المواليد الجدد)، وتأخذ هذه المتلازمة أشكالا متعددة ويعد الإصابة بالسكري أحد الأمراض المصاحبة لهذه المتلازمة إضافة إلى ذلك هناك صفات مميزة في الوجه والرأس عند المصابين بهذه المتلازمة.
متلازمة اكوندروبلاسيا
من المتلازمات الوراثية التي تتميز بقصر القامة وقصر أصابع اليدين والرجلين وتشوهات أخرى في الوجه بسبب عدم نمو عظام الجسم بشكل صحيح، ومن أهم صفات المصاب بهذه المتلازمة هي السمنة وزيادة الوزن في مرحلة الطفولة وتعد الإصابة بالسكري أحد الاضطرابات التي تصاحب هذه المتلازمة.
ومن المتلازمات الوراثية أو الأمراض الأخرى التي لها علاقة بشكل مباشر بمرض السكري نذكر الحصبة الألمانية الخلقية والتي تحدث بسب إصابة الأم الحامل بالحصبة الألمانية وتسبب في حدوث كم كبير من الاضطرابات العقلية وإصابة حواس مثل السمع أو البصر. ومتلازمة لورنس مون وهي متلازمة وراثية يتميز المصاب بزيادة الوزن الشديدة والإعاقة الذهنية وفقدان في حاسة البصر ويعد السكري من أحد أعراض هذه المتلازمة.
وفي واقع الأمر هناك عدد آخر من المتلازمات الوراثية التي يصاحبها الإعاقة العقلية ويعد السكري أحد أعراضها الأخرى ،ومن الصعب تناولها جميعها. ونشير هنا إلى أن الدراسات التي أجريت في المملكة المتحدة أشارت إلى وجود علاقة واضحة بين إصابة الأطفال المعاقين ذهنيا بالسكري.
وبين معاناة أحد أفراد العائلة من هذا المرض لذلك نؤكد على أهمية إجراء فحوصات طبية لجميع الأطفال والبالغين المصابين بالإعاقة الذهنية من أجل الكشف عن السكري في الوقت الصحيح بهدف الوقاية من التأثيرات السلبية السيئة لهذا المرض على صحة وتطور المصابين بالإعاقة الذهنية.
ناظم فوزي
بكالوريوس بعلم الإعاقة
ماجستير في اضطرابات اللغة والكلام
