يغرق البعض في الأوهام، ويحلق البعض الآخر في فضاء رحب من الأحلام. وما بين هؤلاء وأولئك من يحكم بقبضته على أرض الواقع. يتسم البعض بالمرونة والقدرة على إيجاد البدائل والتكيف بشكل إيجابي مع ضغوطات الحياة المختلفة، بينما يتصف البعض الآخر بالصلابة التي تنظر إلى الحياة بمنظار أحادي.
يعد الاطمئنان النفسي البعد الأساسي للصحة النفسية، التي تشكل أساس الوفاق مع العالم من حولنا، ومع ذاتنا التي نحترمها ونحرص على تقديرها بشكل إيجابي. الافتقار إلى الاطمئنان يؤدي لسيطرة المشاعر السلبية كالقلق الذي يعد النواة الأساسية لمعظم الاضطرابات النفسية، التي تنعكس بشكل سلبي على الصحة الجسدية وتؤدي بذلك للوقوع بين براثن المرض بمختلف أشكاله.
حينها تتفاقم الصراعات الداخلية، والدفاعات المرضية، التي ترفض الواقع بكافة أبعاده. الشعور بالاطمئنان لا يمكن أن يتحقق إلا إذا توفرت عناصره المتكاملة، وأهمها القدرة على تغيير ما يقبل التغيير، وتقبل ما لا يجب تغييره، والتكيف مع ما لا يمكن تغييره.
في حياتنا اليومية العديد من مفاصل الحياة التي ينبغي أن نحافظ على مرونتها. حتى نحقق التوازن الجسدي النفسي المطلوب. إذ أن فقدان هذا التوازن يؤدي للدخول في دوامة من الصراعات التي لا تنتهي، والتي قد تؤدي لتصدع الجدران التي طالما حرصنا على ترميمها.
يهتم الواحد منا بصحته الجسدية، ويهمل النفسية منها التي لا تقل أهمية عن الصحة الجسدية، والتي إذا ما تكاملت معها كانت السعادة هي الناتج الحقيقي لمجريات الحياة اليومية. السعادة تحررنا من القيود العديدة، وتطلق القدرات الكامنة، وتجسد كافة المشاعر الإيجابية في العلاقات التي تربطنا مع الأشخاص الذين نتعامل معهم، وهي بالإضافة إلى ذلك تخلصنا من كافة المشاعر السلبية المتمثلة بالعدوانية، والغيرة القاتلة، والشك واضطهاد الآخرين.
وهي بذلك تعد بمثابة القوة الدافعة لتحقيق الذات، وتوظيف الطاقات الخلاقة من أجل النجاح والتميز ليس على مستوى العمل فحسب، إنما على مستوى العلاقات الاجتماعية. الشعور بالطمأنينة يتجلى حينما يعيش الشخص في حالة الوفاق الذاتي والانسجام مع الآخرين، حينما يدرك أنه لا يجوز استخدام مقياس واحد لمختلف الأشخاص من حولنا.
الوفاق الداخلي يحرر الإنسان من القيود الداخلية التي ارتضاها لنفسه، والخارجية التي تفرض عليه، ويعزز بذلك من تقديره لذاته من خلال التقدير الايجابي غير المشروط. وإذا ما عجز الإنسان عن تحقيق هذا الوفاق فإنه سيرضخ للآخرين، ولأحكامهم القاسية، ويصبح القلق بارزاً في أنماط من السلوك السلبي.
الشعور بالطمأنينة يزيد من تقديرنا لجماليات الحياة. ويساعدنا على إقامة العلاقات الجميلة والبعد عن التعصب وتقبل الآخر دون إطلاق الأحكام المسبقة الصنع عليه، وبالإضافة إلى ذلك يخفف من ضغوط الحياة اليومية ويحقق درجة من الاستقلالية في الشخصية التي يمكنها أن تتعامل بشكل إيجابي مع الواقع بعيداً عن التزييف، دون ارتداء أي قناع بعيداً عن الأوهام وأحلام اليقظة. الوفاق الداخلي يضفي على الحياة معاني جميلة لأن من يتمتع بهذه الصفة تسير حياته بسلاسة شديدة.
همسة: الشعور بالرضا ينعش النفس المتعبة
